كان الذَّكاء الاصطناعي قَبل عدَّة أعوام قليلة مجرَّد خيال بَشَري، أو لو أردنا الدقَّة، مجرَّد هاجس يخشى سيطرة الحواسيب على العالم، عَبْرَ مجموعة من أفلام تُسمَّى بالخيال العلمي. ولكن منذ 2018 وحتى الآن تحوَّلت تلك التقنية الحديثة إلى واقع تسعى إلى تعظيم الاستفادة منه كافَّة دوَل المعمورة، والمؤسَّسات العابرة للقارات، لدرجة أنَّ البعض بات يؤمن بأنَّ قواعد القوَّة في هذا الكوكب التعيس باتت مرتبطةً بحجم ما تملكه من تقنيَّات الذَّكاء الاصطناعي، لذا عمد الجميع إلى تطويعه وتطويره، إلَّا أنَّ العديد من المفكرين، مستندين إلى تجارب سابقة من التطوُّر الإنساني، يخشون أولًا أن تتحوَّلَ تلك التقنية إلى وحش يلتهم مئات الآلاف أو ملايين الوظائف حَوْلَ العالَم.
وهو تطوُّر كبير في سوق الهواجس والمخاوف من تلك التقنية، فقد تحوَّلت لظاهرة يسعى المفكرون والعلماء إلى تفسيرها، وتغيير نمط الرعب الذي صدَّرته هوليود من التقنية، والذي كان يتمحور حَوْلَ خروجها عن السيطرة، والقضاء الدراماتيكي على القيادة البَشَريَّة، وبدء عصر وصَفُوه بعصر الآلات، وهي فرضيَّة لطالما رفضها المتخصِّصون في تطوير تلك التقنيَّة، وأكَّدوا أنَّ تلك الآلة لَمْ ولَنْ تكُونَ بديلًا عن المُخ البَشَري. فالمُخ البَشَري ـ وفق هؤلاء ـ هو المُحرِّك، وهو مدخل البيانات التي تحدِّد خيارات الأذكياء الجُدد، وتعهَّدوا بعدم خروج الآلات عن السيطرة، وبشَّروا بثورة صناعيَّة ستفوق نتائج الثورة البخاريَّة، وقالت الحملات التبشيريَّة من هؤلاء إنَّ خريطة العالم ستتغير ومَن يريد أن يغيِّرَ موقعه فعليه ركوب موجة الصحوة الجديدة.
ونظرًا لأنَّني أمتهنُ مهنة رأيتها تغرب وتموت إكلينيكيًّا بأُمِّ عَيْني، وهي مهنة الصحافة الورقيَّة، فقد انتابني الفضول إلى تجربة المنصَّات التي تعمل على كتابة المحتوى باللغة العربيَّة، وعمدت على السَّير وفق الخطوات المطلوبة. صحيح أنَّ تلك المنصَّات لا تملك الاحترافيَّة المطلوبة في مجال الكتابة، ورغم سرعتها تفتقد للموهبة البَشَريَّة، إلَّا أنَّ المؤمنين بتلك التقنيَّة الجديدة يؤكِّدون أنَّ استمرار استخدامها يطوِّرها، فهذه التقنيَّة لدَيْها مهارة التعلُّم الذَّاتي، وهو تصوُّر قابل للتصديق، فتلك التقنيَّة وإن كانت غير قادرة على كتابة محتوى إبداعي، إلَّا أنَّنا لا يُمكِن أن ننكرَ أنَّها قادرة على إخراج نصوص يُمكِن استخدامها في العديد من المحتويات التي لا تحتاج إلى إبداع بَشَري، وستكُونُ تلك النصوص مقبولةً وموفرة من الناحية التجاريَّة.
ومن هذا المنطلق الذي يعمم التجربة الذاتيَّة الخاصَّة لمهنة الكتابة، إلى باقي المهن، نجد أنَّ العالَم مقبل على الأقل على انهيار في العديد من المهن، وهو شيء أقرب إلى ما أحدثته الثورة البخاريَّة ودخول الماكينات إلى حقل الصناعة بكافَّة أشكالها، وما حدث من تطوُّر سريع بمفهوم وقتها، ففي أقلَّ من قرن أنهت الماكينات على الكثير من أصحاب الصنعة، لدرجة انقراض العديد من المهن، وتحوَّل بعض المهن لمهنٍ فلكلوريَّة، وباتت الصناعة اليدويَّة موضة أو تقليعة. نعم، فالمؤشِّرات تؤكِّد أنَّ الذَّكاء الصناعي الذي يبشِّر به البعض، سيفقد ملايين البَشَر في المعمورة وظائفهم، وستكُونُ انطلاقةً لشكلٍ وظيفي متغيِّر، وستخرج مهن من الخدمة، وستُفتح لأخرى آفاق جديدة.. وللحديث بقيَّة.


إبراهيم بدوي
[email protected]