- للكاتبة والحكواتية ثمنة الجندلقراءة للكاتبة والناقدة دلندة الزغيدي: كتاب (ظفار في سؤال وجواب) يكشف سمات تميّز محافظة ظفار عن بقيّة محافظات سلطنة عمان، وتجعل منها منطقة لها خصوصيّة. ويدلّ ذلك على أنّ هذه المنطقة لها هويّة ثقافيّة خاصّة. وهذا ما يتوافق تماما مع مفهوم الهويّة الثقافيّة مثلما أوردها د. خالد الشرقاوي السموني في قوله: (الهوية الثقافيّة هي مجموعة من السّمات والخصائص الّتي تنفرد بها شخصيّة مجتمع ما، وتجعلها متميّزة عن غيرها من الهُويّات الثقافية لمجتمعات أخرى، وتتمثَّل تلك الخصائص في اللّغة والدين والتّاريخ والتّراث والعادات وغيرها من القيم الثّقافية المختلفة نذكر منها (العقائدية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية)، والتي تشكِّل في مجموعها صورة متكاملة عن ثقافة هذا المجتمع). ولا يمكن أن نتحدّث عن هويّة ثقافيّة دون التطرّق إلى مسألة التراث والذي ينقسم إلى تراث مادي وتراث لامادي مثلما ورد تماما في كتاب (ظفار في سؤال وجواب) في فصوله العشرين. إذ ينقسم الكتاب إلى قسمين كبيرين:القسم الأوّل: من الفصل 1 إلى 5 تناولت هذه الفصول التّاريخ، والجغرافيا والآثار(التّراث المادي) أما القسم الثاني: من 6الفصل إلى 18ركّزت هذه الفصول على التّراث اللّامادي للمنطقة. والفصل الأخير من الكتاب: ملحق صور توثّق جوانب طبيعيّة واقتصاديّة واجتماعيّة لمحافظة ظفار.التّراث المادي: يشتمل التراث المادي ( Tangible cultural heritage) على الآثار والمنشآت الدينية والجنائزية كالمعابد والمقابر والمساجد، والمباني التاريخية والمتاحف والمباني الحربية مثل الحصون والقلاع وأخرى مدنيّة مثل القصور والحمامات، والسدود والأبراج والأسوار التي يجب حمايتها والحفاظ عليها.التراث اللّامادي: (Intangible cultural heritage) وهو ثروة فكرية عظيمة مثلما تشير إلى ذلك منظمة اليونسكو. وتشمل هذه الثروة كل ما يتعلّق بالفولكلور والعادات والخرافات والمعتقدات والتقاليد والمعرفة والتّحيات واللّغة. وهو أيضا مجموع الممارسات والتّصورات وأشكال التّعبير والمعارف والمهارات، وما يرتبط بها من آلات وقِطع ومصنوعات .ويعتبر اللّباس والأكل والرّقصات وفنون الإستعراض والأهازيج والموسيقى والمشغولات اليدويّة كالمنسوجات والسّعفيات والمجوهرات، كلّ هذه الأشياء تعتبرها المجموعات، وأحيانا الأفراد، جزءا من تراثهم الثقافي. وهذا التراث الثقافي غير المادي متوارث جيلا عن جيل، تبدعه المجموعات من جديد بصورة مستمرّة، بما يتّفق مع بيئتها وتفاعلاتها مع طبيعتها وتاريخها، وهو ينمّي لديها الإحساس بهويتها ويضمن استمراريتها. ويجد هذا التّعريف صداه في كتاب ظفار في سؤال وجواب بقسميه الرئيسيين. وفي هذا المقال سيقع التّركيز على القسم الّذي اهتمّ بالتّراث اللّامادي وغطّى معظم مجالاته الّتي تتلخّص فيما يلي:1ـ الممارسات الاجتماعية والطقوس والاحتفالات.(الأعراس، الختان، النّفاس، الأعياد الدّينيّة، الطّلاق، والمأكولات التي تقدّم في هذه المناسبات.)2 ـ المعارف والممارسات المتعلقة بالطبيعة والكون.(كل ما يعرفه الإنسان في علاقته مع محيطه الطّبيعي(مواسم الإبحار، الإهتداء للعودة إلى اليابسة بمتابعة حركات النّجوم، التّوقّعات المناخيّة والأنواء لدى البحّارة، الصيد، السعفيات، المجوهرات،الإهتداء للطرقات وتقفّي الآثار،التّداوي وغيرها... (الفصل6)3ـ المهارات المرتبطة بالفنون الحرفية التقليدية.(المجوهرات، صناعة البخورالفصل 7)4 ـ فنون آداء العروض: اهتمّ الفصل 12بالألعاب الشّعبيّة والفصل 14 بحث في الفنون الشعبيّة الظفاريّة، حيث تم التّفصيل في التعريف بالرّقصات الشّعبيّة والفنون الإستعراضيّة في محافظة ظفار في مناطقها السّاحليّة وفي صحرائها. وتجدر الإشارة هنا إلى أنّ الباحثة فصّلت في التسميات فصنّفت الرّقصات بحسب آدائها، فهناك:رقصات رجاليّة: البرعة والشّرح والهبوت...ورقصات نسائيّة كالطبل، المرباطي والقصبة...والرقصات الثّنائيّة مثل المدار، الزّنوج، المزمار، الشّبانيّة (عودة المسافر). وللأهازيج نصيب في هذا الفصل. وتجدر الملاحظة أنّ الكتاب لم يكتف بذكرها فقط، بل ركّز على تسمياتها مثل النّنا والدبرارت وذكر بعض الأهازيج الأخرى والمناسبات التي تُغنّى فيها .وخصّصت الباحثة فصلا كاملا للتّعابير الثّقافيّة، فاهتمّ الفصل 17 وعنوانه (الأفكار والمعتقدات) بالحكاية الشّعبية (الحزاية) والتي تمثّل رافدا ثقافيّا مهمّا في حياة الجماعات بما أنّها تمنحهم خوصيّة تميّزهم عن بقيّة المجتمعات أو الجماعات. وبيّنَ الباحثون أهمّيّة التّراث الشّفهي بما في ذلك الحكاية الشّعبيّة في حفظ الذّاكرة وتجذير الشّعوب في واقعهم وضمان استمرايتهم كجماعات تتميّز عن غيرها وذلك بإعطائهم طابعا خاصّا بهم وبالتّالي حفظ هويتِهم. ويؤكّد الباحثون في مسألة التراث اللّامادي وبصفة خاصة في الإرث الشفهي على أهمّيّة الحكاية الشّعبيّة. فيقول الباحث عبد المجيد ابراهيم قاسم:(وليس بالوسع تصوّر شعب بلا حكايات شعبيّة. الحكاية هي العمود الفقري في التّراث الشّعبي، لأنّها تعبّر عن جوانب من شخصيّة الجماعة) ويقول الباحث سالم دمدوم: (حين نتحدّث عن الحكاية فإنّنا نجد أنفسنا في صلب التحدّث عن التّراث. الحكاية الشّعبيّة لها مدلولات تاريخيّة، واجتماعيّة، ونفسيّة، واقتصاديّة، ودينيّة، وجغرافيّة، وأدبيّة، وحضاريّة فهي مادّة تراثيّة غنيّة... وهي شاهد عيان على حقبة تاريخيّة معيّنة تتحدّث بلسانها وتنقل أحاسيسها وأفكارها وتقاليدها). أمّا الباحث الأميركي جورج لوفيس وينستون فيقول:(ليس أخطر على الشّعب الأميركي من أهزوجة أو حكاية هنديّة تتندّر بها أم أميركيّة. ليس أخطر على الشّعب الأمريكي من تراث الهنود الحمر). وهذا يبيّن أهميّة الحكاية الشّعبية وأدوارها الفنية والأدبية والتربويّة وخاصّة دورها الأهم وهو حفظ الذّاكرة الشّعبيّة وحمايتها من الإندثار، وتأصيل الهويّة الثّقافيّة للشّعوب والمجموعات. وأوردت الكاتبة ثمنة هوبيس الجندل في نفس الفصل (17) قسما خاصّا بالأمثال الشّعبيّة الّتي وردت باللّهجة الظّفاريّة، وبحركة ذكيّة من الباحثة أوردت ما يقابلها باللّغة العربيّة وباللّغة الأنجليزيّة أيضا في إشارة إلى أنّ هذا الموروث اللّامادي لا يجعل من محافظة ظفار منطقة معزولة عن العالم بل هي منطقة متموقعة في محيطها متجذّرة في تاريخها ولكنّها منفتحة على جيرانها، أي على بقيّة المحافظات في عمان وعلى دول المنطقة والدول العربيّة الأخرى والعالم بأسره أيضا. ويُفسَّرُ ذلك بأنّ التّراث جزء من ثقافة مجموعة ما، ولكن ذلك لا ينفي وجود تقاطعات مع الآخر، فهو يصل ليس بين الجيران فحسب بل و إنسانيّا أيضا، وهذا الإمتداد الكوني للموروث الشّفهي لا يعني عدم وجود خصوصيّة تميّز تراثا عن تراث وشكلا تعبيريّا معيّنا عن آخر، فالتّشابه وأرد ولكن لا يوجد تماهيّا كلّيّا. فالتّراث في دول الخليج مثلا كسجّاد محاك في نفس النّسيج، مع وجود اختلافات بين دولة وأخرى، وبين منطقة وأخرى في نفس الدّولة. إذن الأشكال الثّقافيّة بها ارتباطات وتماثلات وتشابهات مع كثير من الممارسات الثّقافيّة، ممّا يشير إلى أنّ التّمسّك بالتّراث يحافظ على الهويّة الثّقافيّة ولكن لا يمكن أن يضمن استمراريّته إذا انغلق على نفسه ولم يتلاقح مع المحيط الضيّق والموسّع فالتّقوقع أيضا يهدّد هذا التّراث بالإندثار.ويتجلّى اهتمام الكاتبة باللغة بتخصيص فصل كامل(الفصل 18) لها باعتبارها مكوّنا رئيسيّا للهويّة ، إذ أنّها تشكّل وعي أفراد الجماعـة وارتباطه بماضيها وحاضرها ومستقبلها، وثمّة علاقة وثيقة بين مفهوم الهوية منذ ظهوره واللغة، الّتي تعتبر من أبرز علامات الوجود وأهمّ وسيلة تعبير عن الجماعة، واتّفق معظم الدّارسين في مختلف التخصصات أنّ اللّغة من أهـمّ العناصر المشكّلة للهويّة الإجتماعيّة والثقافيّة لكلّ مجموعة على حدة، وبما ّ أن لكل مجموعة خصوصيتها، فإن هذا النّظام اللّغوي لا يمكن أن يكون مجرّد وسيلة اتّصال محايدة، بل إنّه وكما تؤكّد كريستين فريشات في قولها: (إن اللّغة حاملة لهويّة، وقيم، وتاريخ ومعنًى. إنّها تحقّق التّلاحم الإجتماعي، وتدعم تنامي الإحساس بروح الإنتماء إلى المجموعة). ويدعم ساطع الحصري هذا الرّأي بقوله: (إنّ وحدة اللّغة ترسّخ نوعا من وحدة الأفكار والمشاعر...وإنّ اللّغة هي الصّلة الأكثر متانة التي تربط بين الفرد والمجموعة). ولم تقتصر الكاتبة على عرض الكلام الظفاري، بل أوردت العبارة والمناسبة الّتي تقال فيها، وفي جزء آخر قدّمت العبارة وشرحها وفي جزء أخير وضّحت التّشابه بين بعض الكلمات الظفاريّة والعربيّة والكلمات الإنجليزيّة. وكما هو معروف محافظة ظفار مشهورة بثرائها اللّغوي فنجد اللغة الشّحريّة (الجبّاليّة) والمهريّة والبدويّة وهذا ما يميّزها لغويّا عن بقية محافظات السّلطنة ويجعل منها منطقة ذات خصوصية لغويّة وتفرّد كلامي.✱ أهمية التّراث اللّامادي في كتاب (ظفار في سؤال وجواب)تأتي أهمّيّة كتاب (ظفار في سؤال وجواب) في توثيق التراث الثقافي غير المادي فبالرّغم من عامل الهشاشة، يشكل التّراث اللّامادي ركيزة مهمّة في الحفاظ على التّنوّع وعلى المخزون الثقافي في عصر العولمة المتزايدة، فالتراث الثقافي غير المادي للمجتمعات المحلّية المختلفة يساعد على الحوار بين الثقافات ويشجع على الاحترام المتبادل لطريقة عيش الآخر. وهنا لا بدّ من الإشارة إلى أنّ التّراث اللامادي رغم أنّه يعطي خصوصيّة لأيّ مجتمع بما أنّه يحمي الهُويّات الثّقافيّة إلّا أنّه في علم الأنتروبولوجيا يحفّز التّفكير لتقبّل الآخر، ويحثّ على عدم ترتيب الثّقافات ترتيبا تفاضليّا، بل يشجّع على تقبّل الثّقافات الأخرى والتّعايش معها. ويمكن تلخيص دور التراث اللامادي في النقاط الثلاثة التّالية:1ـ دور في الدّراسات التّاريخيّة: تأريخ لحضارات الشّعوب ورصد لحركة الذّهن وتطوّر الفكر، فهو جزء من بنية الفكر البشري. والتّراث يبقى حيّا ما حيت الأوطان لأنّه يواكب التّطوّر المادّي والمدني الّذي يصبّ في بوتقة الحضارة الإنسانيّة.2ـ دور إقتصادي: السّياحة والتّجارة(نقش الحنّة، المشغولات اليدويّة، الأكلات...)3 ـ دور اجتماعي: حماية المجتمع من الإختراق في عصر العولمة المتوحّشة والإنترنت التي ساهمت في تفكيك الأسرة وتسريب أساليب ثقافيّة غريبة وسلوكيّات شاذّة تهدّد المجتمع بالإنحلال والتّفكّك.ومن هنا تأتي أهمّية كتاب ظفار في سؤال وجواب الّذي قام حرفيّا بكلّ تلك المهام السّابق ذكرها.وفي الختام يمكن القول بأنّ كتاب (ظفار في سؤال وجواب) هو وثيقة لتسجيل التّراث اللّامادي لمحافظة ظفار، يضمن هذا الكتاب حفظ هذا التّراث وحمايته من التّلف، ويمكّن من ترسيخ الهويّة الثّقافيّة لهذه المنطقة ويعطيها خصوصيّة تجعل منها منطقة مختلفة ومتميّزة عن بقيّة المناطق في عمان دون الشّذوذ عن النّسيج الذي يطبع السّلطنة ومنطقة الخليج، وفي نطاق أوسع جميع بلدان العالم. إذ يموقع عمان لتحافظ على مكانها عن جدارة ويجذّر هويّتها حتّى تضمن استمراريّتها وصمودها أمام المدّ العالمي الذي يسعى إلى مسخ الهويّات الثّقافيّة للشّعوب لضمان السّيطرة عليها. كما تجدر ملاحظة أنّه يمكن إدراج كتاب (ظفار في سؤال وجواب) ضمن المراجع التي يمكن للباحثين اعتمادها في دراساتهم.