من المؤسف نُمو ظاهرة مُخيفة ومُرعبة داخل المُجتمع العربي في مناطق العام 1948، أيْ في «إسرائيل» وهي ظاهرة تفشِّي الجريمة لأسباب عائليَّة تقوم على الثارات والمسلكيَّات البائدة. وقد أصبحت في الفترات الأخيرة حدثًا شِبْه يومي، في وقتٍ تَصمُت فيه سُلطات الاحتلال وأجهزة الشُّرطة الجنائيَّة وجهاز «الشاباك/الأمن الداخلي» عن متابعة الفاعلين، بل هناك معلومات عن تشجيع سُلطات الاحتلال لجيل الشبَّان من المواطنين العرب في الداخل على اقتناء السِّلاح الفردي كالمسدَّسات وغيره، وتسريبه لوضعه بِيَدِ أصحاب السوابق. فيما خرجت الناس في القرن والبلدات العربيَّة تعلن وتصرخ: «بدنا نعيش»، مُوجِّهة صراخها لسُلطات الاحتلال التي لا تريدها أن تعيشَ، ولا يوجد ما يجعل الدولة والشُّرطة و(جهاز الشاباك) يخلدون للنوم مرتاحين أكثر من شعار «بدنا نعيش» تاركين المواطنين العرب في صراخهم وهم يُغذُّون القتل بَيْنَ الشبَّان في الوسط العربي.إنَّ تلك الظاهرة المُخيفة جعلت غالبية مواطني الداخل من العرب الفلسطينيين، في صمتٍ ممزوج بالخوف والقلق، الخوف من الحاضر، والقلق من المستقبل. فالفوضى تعمُّ أوساط فلسطينيي الداخل، خصوصًا بعد الجريمة الأخيرة التي تمَّت في بلدة (يافة الناصرة) قضاء مدينة الناصرة، وقد أودت بحياة خمسة شبَّان.فانزلاق جيل الشَّباب الجديد من فلسطينيي الداخل في «إسرائيل» إلى قيعان الجريمة الأهليَّة، لَمْ يكُنْ وليد صدفة، بل هو نتاج سياسات التهميش والعنصريَّة من قِبل سُلطات الاحتلال، والتي هيَّأت الجوَّ العامَّ للجريمة، ولتشكيل المجموعات الإجراميَّة في الوسط العربي.فالحكومات «الإسرائيليَّة» المُتعاقبة أوجدت فلسفة تحاول تعميمها بَيْنَ الشبَّان في الداخل الفلسطيني وعنوانها «أنَّ القويَّ هو الذي يعيش، وأنَّ التسامح ضعيف»، في سياق سلوكها الهادف لتمزيق المُجتمع العربي في الداخل وزجِّه في أتون معارك جانبيَّة، وإحداث احتراب عربي ـ عربي بَيْنَ أبناء الوطن الواحد. هذا الاحتراب الذي تسعى سُلطات الاحتلال لتوريط أجيال الشبَّان الجديدة في نيرانه، لذلك تحاول الشُّرطة «الإسرائيليَّة» الابتعاد عن معالجة الأمْرِ، لتترك الجيل العربي الجديد من الشبَّان غارقًا في أوحال الجريمة. ولعلَّ الأرقام هذه تُشير إلى حجم المأساة لدى هذه الشريحة، فنصف ضحايا جرائم القتل في المُجتمع العربي (47 من أصل 96 في العام الجاري) هم تحت سنِّ الـ30 عامًا.كما لا يُمكِن فصل الجريمة العميقة التي وصلت إلى ما وصلت إليه، وقد نشر موقع (عرب 48) معلومات واضحة في هذا المجال، حيث تقول المعطيات إنَّ 57 ألف شابّ/ة في الأعمار 18 ــــــ 24 عامًا لا يعملون ولا يتعلَّمون في المُجتمع العربي. وتفيد الأرقام بأنَّ ارتفاعًا بنسبة 50% حصل في الأعوام 2015 ـــــــ2021 بضلوع الشَّباب العرب بالجريمة، بحسب تقرير ما يُسمَّى بـ»مراقب الدولة» للعام 2023. في هذا الجيل يبدأ الشَّباب بناء شخصيَّاتهم المستقلَّة، ولكن وسط هذه الظروف والبيئة التي نتجت عن السياسات العنصريَّة، وجد الشابُّ العربي الفلسطيني نَفْسه في ضياع.مطلوب من الأحزاب العربيَّة والقوى والمؤسَّسات المُجتمعيَّة في الداخل، القيام بمُهمَّة أساسيَّة، تتمثل في رعاية جيل الشَّباب، وتوعيته، والسَّعي لحلِّ مشاكله، ومشاكل المُجتمع، وتجفيف مصادر الجريمة، من خلال سدِّ احتياجات الشَّباب، والعمل على تخليصهم من كابوس البطالة وعدم التعليم، ودفعهم للتركيز على التحصيل العلمي والارتقاء المعرفي. علي بدوانكاتب فلسطينيعضو اتحاد الكتاب العربدمشق ـ اليرموك[email protected]