ربَّما كانت من المِهن الأولى التي هدَّد الذَّكاء الاصطناعي البَشر فيها مبكرًا، حتى قبل أن نشهدَ الموجة الحاليَّة من الصخب حَوْلَه هي مهنة الترجمة. فقد بدأ محرِّك البحث جوجل، وغيره من شركات التكنولوجيا على الإنترنت، طرح برامج ترجمة لغات متباينة السّعة والقدرات منذ فترة ليست بالقصيرة. ولا شكَّ أنَّ تطوير برامج الذَّكاء الاصطناعي، خصوصًا المفتوحة على الإنترنت منها، لتطبيقات ترجمة سيصبح أكثر فأكثر بديلًا عن المترجِم البَشري. قد يصعب على البعض اعتبار المترجِمين أصحاب مهنة، بغضِّ النظر عن أنَّه يصعب حساب عددهم؛ لكونهم خارج منظومات العمل التقليديَّة. وليس لهم نقابات أو اتِّحاد إلَّا فيما ندر. صحيح أنَّ الترجمة ببرنامج حاسوب (كمبيوتر) ستكُونُ أسرع وأعلى إنتاجًا من الإنسان، لكنَّها أيضًا تحرم قِطاعًا مُهمًّا من المترجِمين من فضائل الترجمة. كما أنَّ تلك البرامج الحاسوبيَّة (الكمبيوتريَّة) ومهما كان تطوُّرها و»ذكاؤها» إنَّما تترجم النصوص ترجمة حرفيَّة، ما يعني وجود احتمالات ضياع المعنى أو حتى اختلافه عن المعنى، بل والمقصود في اللغة الأصليَّة.
ازدهرت الترجمة على مرِّ العصور بالتوازي مع فترات التقدُّم والتطوُّر الحضاري كما ينبئنا التاريخ. فقد ترجَم العرب عن لغات كثيرة من فارسيَّة وروميَّة في فترة نهضتهم، ثمَّ ترجَم الغرب عن العربيَّة وغيرها في نهوضه من عصور الظلام (العصور الوسطى)، وهكذا. كانت تلك الترجمة سببًا ونتاجًا لازدهار المجموعات البَشَريَّة، وعاملًا مُهمًّا في تطوير العلاقات بَيْنَ الشعوب مع اتساع رقعة الأرض المسكونة وزيادة أعداد البَشَريَّة. صحيح أنَّ الترجمة الآليَّة ستجعل التواصل أسرع، لكنَّها ستضعف إحدى فضائل الترجمة المهمَّة. وهذا ما يرجِّح أن يجعل التطوُّر في العِلم والمعرفة وغيرها من نشاطات البَشَريَّة التي تفيدها الترجمة أقلَّ عمقًا، بل وربَّما أكثر تسطيحًا في بعض الأحيان. لكنَّها في الوقت نفسه سوف «تُسهِّل» كثيرًا ممَّا كان صعبًا أن يقومَ به البَشر. في زيارة أخيرة لإيطاليا لَمْ يكُنْ سائق الأجرة (التاكسي) يعرف أيَّ لغة غير الإيطاليَّة، وأنا لا أعرف الإيطاليَّة. فبسرعة فتح تطبيقًا للترجمة الفوريَّة الصوتيَّة على هاتفه الذَّكي يتحدث إليه بالإيطاليَّة فأسمعُ الترجمة بالإنجليزيَّة وأردُّ بالإنجليزيَّة، فيسمع هو ردِّي بِلُغَته. وما كان ليحدُثَ بهذه السرعة والسهولة وبدُونِ كلفة تقريبًا لو كنَّا في زمن سابق يحتاج فيه المرء لشخص يرافقه ليترجمَ إليه وعَنْه.
لكنَّ هناك من فضائل الترجمة ما لا أتصوَّر أن يظلَّ كما هو مع الترجمة ببرامج الحاسوب (الكمبيوتر)، ومِنها في الأغلب الترجمة في مجالات الآداب والفنون وكثير من الإنتاج الإبداعي للبَشر. ففي مِثل هذه الترجمات لا يفيد كثيرًا أن تترجمَ النَّص حرفيًّا، بل على المترجِم أن يكُونَ مُلمًّا بالمجال الذي ينقله لغة، وإلَّا ضاع القدر الأكبر من تأثيره. ففي الشِّعر مثلًا، هناك ترجمات مختلفة لرباعيَّات الشاعر الفارسي عمر الخيَّام لكنَّ أقربها إليها ما ترجمه الشاعر المصري الراحل أحمد رامي. بل إنَّك قد تجد اختلافًا في «النَّص الحرفي» أحيانًا، لكنَّ جوهر الشِّعر وروحه بارزة أكثر في ترجمة رامي. بل وحتى غنائيَّاته، رغم اختلاف قواعد النَّظم الفارسيَّة والعربيَّة لاختلاف اللغة، وهذا ما جعل الرباعيَّات تطرب الملايين حين غنَّت الراحلة أُمُّ كلثوم مقاطع منها. والأمثلة هنا أيضًا كثيرة.
الأمْرُ إذًا، أنَّ الترجمة بالذَّكاء الاصطناعي مفيدة في السرعة وليس الدقَّة، وفي قلَّة الكلفة وليس في علوِّ القِيمة، وفي توفير الجهد والمساحة وليس في ترك الأثَر العميق. وهكذا يبدو أنَّ كثيرًا من فضائل الترجمة إلى اضمحلال، حتى لو بدا أنَّ في فوائد الترجمة الإلكترونيَّة الآليَّة ما يعوضها. وربَّما تُسهم الترجمة بالآلة في تقريب المجموعات البَشَريَّة في عصر تطوُّر التكنولوجيا، فلا تجد نهضة عربيَّة مثلًا يقابلها اضمحلال أوروبي أو اضمحلال ياباني يقابله صعود صيني وهكذا. بل يكاد يقترب الجميع في حافلة مسيرة البَشَريَّة، سواء كانت تلك الحافلة صاروخًا فضائيًّا أو عربة تجرُّها الأحصنة. أمَّا أهمُّ فضائل الترجمة في تصوُّري، وهو تصوُّر شخصيٌّ تمامًا عن تجربة، فهو أنَّ الترجمة تغيِّر من طبيعة وخصال مَن يقوم بها، ليس فقط أنَّها تُوسِّع مداركه وتُعمِّق قدراته المعرفيَّة والفكريَّة، ولكنَّها تبثُّ في روحه دُونَ أن يدريَ بعضًا ممَّا في منظومة قِيَم وأخلاق ما يترجم عَنْها وإليها من لغات. وذلك فضل يصعب أن يَعُودَ على الآلة التي صُمِّمت على أساس قواعد (برامج حاسوبيَّة ـ كمبيوتريَّة) وضعها البَشَر وهم الذين يُعدِّلونها ويُحدِّثونها، أيْ يُغيِّرونها.
ليس معنى كُلِّ ما سبقَ أنَّ الترجمة بالذَّكاء الاصطناعي ستقضي تمامًا على الترجمة التي يقوم بها البَشَر، بل في الأغلب بعد هذه الفورة الأولى سيستقرُّ الأمْرُ على أن تكتسحَ الترجمة الإلكترونيَّة مجالات معيَّنة لتوفِّرَ للبَشَر مجالات أخرى، خصوصًا في ترجمة الإبداع من أدب وفنٍّ وغيره. صحيح أنَّ مُطوِّري البرامج الحاسوبيَّة (الكمبيوتريَّة) سينافسون البَشَر في ذلك، لكنَّ الأرجح أنَّ الترجمة الإنسانيَّة ستظلُّ لها اليد الطولى فيها. طبعًا قد ينتهي الأمْرُ أن تراجع عدد المترجِمين لصالح الآلة، لكن سيبقى هناك مَن يريد أن يحصلَ على جوهرة حقيقيَّة ولو كانت مكلفة مقابل أعداد أخرى من الناس يرضون بتقليد رخيص. وهذا ما سيحفظ الكثير من فضائل الترجمة التي قد ينال منها الذَّكاء الاصطناعي.


د.أحمد مصطفى أحمد
كاتب صحفي مصري
[email protected]