يُمثِّل وجود حراك تدريبي لأيِّ مؤسَّسة ترمومتر قدرتها على مواصلة التطوير والإبداع والبحث عن الجديد بغية تطوير العمل وتحسين أداء موظفيها. وهذه تُعدُّ ظاهرة صحيَّة بامتياز، فالجميع يحتاج إلى تدريب وتأهيل خصوصًا مع التطوُّر التكنولوجي المتسارع، وأن يكونَ هذا التدريب موجَّهًا وعدم تركه لرغبة الموظف فقط؛ لأنَّ هنالك أهدافًا كبيرة تسعى المؤسَّسة لتحقيقها، وبالتَّالي لا بُدَّ أن تضمنَ مستوى التدريب المقدَّم لتحقيق تلك الأهداف.وتتنوَّع أساليب التأهيل والتدريب بتنوُّع الأهداف المُراد تحقيقها، وهنا أجدني أتحدَّث عن نقطتين مهمَّتين، تتمثل الأولى في نوعيَّة البرامج المقدَّمة، فتطالعنا الصحف يوميًّا بوجود ندوة هنا ومؤتمر هناك، وحلقة هنا وبرنامج هناك، وهكذا دواليك وبصورة شِبه يوميَّة. والسؤال المطروح رغم التكاليف الماديَّة الباهظة المعروفة عند إقامة مؤتمر أو ندوة: ما المردود الذي تستفيد منه المؤسَّسة المعنيَّة على مستوى تحقيق أهدافها؟ وهل يتناسب الدعم المادي المقدَّم مع ما تحقَّق من أهداف؟ وهل كان في الإمكان الاستعاضة بأسلوب تدريب أكثر جدوى لتحقيق الأهداف المُحدَّدة من هذا الأسلوب التدريبي المكلِّف والذي لا يُحقِّق سوى البهرجة الإعلاميَّة في غالب الأحيان؟ وهل تمَّ الإعداد المسبق لجودة الأوراق المقدَّمة في تلك الندوة والمؤتمر بصورة متميزة أم هي مجرَّد ملء فراغ لا أكثر؟أسئلة دارت في بالي وأنا أتابع ندوة في إحدى المجالات الحياتيَّة المعاصرة، واندهشت من حجم المصاريف التي تمَّ إنفاقها، سواء ما يتعلَّق بسكن الحضور وبدلاتها وعددهم الكبير، والمكان المقامة فيه وغيرها من المصاريف، وضحالة مستوى عناوين أوراق العمل المقدَّمة، وما تبعها من بروتوكولات تنظيميَّة لا تَمتُّ للأهداف بِصِلَة، وكان يمكن تحقيق أهداف هذه الندوة بعقد حلقة تدريبيَّة ودعوة أصحاب الاختصاص وبلورة نتائج واقعيَّة من صميم الواقع المعاش بدل إحضار مدرِّبين لا يمتُّون للواقع بِصِلَة، سوى أنَّهم من فئة الخبراء على حدِّ زعمهم.والنقطة الثانية التي أوَدُّ الحديث عنها في ما يتعلَّق بالتدريب المؤسَّسي هو ما يتعلَّق بمستوى المتدربين، فعمليَّة الاختيار يجب أن لا تكونَ لمجرَّد وجود سيرة ذاتيَّة ورقيَّة متميِّزة. فهنالك الآن مؤسَّسات متخصِّصة في تجميل السِّيرة الذاتيَّة، بل يجب الحضور مع هذا المدرِّب أولًا واكتشاف ما يملكه من مهارات تدريبيَّة أولًا، لا أن يُؤتَى بمدرِّب يتحدث 99% والمتدربين 1% ولا توجد أنشطة تدريبيَّة، بل وفي أحيانٍ كثيرة يتعلَّم المدرِّب من المتدربين بحُكم معرفتهم بالموضوع أكثر من المدرِّب ذاته البعيد في الأصل عن التخصُّص الذي يتحدث فيه. في اعتقادي الشخصي أنَّ الموضوع بِرُمَّته يعتمد على عدم وجود إمكانات ومهارات لِمَنْ توكل له مهمَّة اختيار المدرِّبين قَبل عمليَّة اختيار المدرِّب نفْسه، فتكون المصالح الشخصيَّة هي الباعث الرئيس في اختيار هذا المدرِّب عن غيره من المدرِّبين.إنَّني لستُ هنا في محلِّ التشكيك في جدوى إقامة ندوة أو مؤتمر علمي، ولكن كلًّا بما يناسبه من أهداف. فالندوة مطلوبة في حالة التعريف ببرنامج معيَّن أو ظاهرة معيَّنة، والمؤتمر ممتاز في حالة معالجة مشكلة معيَّنة وفق أُسُس علميَّة واضحة، وأن يكونَ أصحاب القرار حاضرين ومتأهبين لاتِّخاذ قرارهم وفق رؤية علميَّة واضحة تفرزها نتائج المؤتمر، كما أنَّني لستُ ضدَّ وجود مدرِّبين من خارج الدولة، ولكن أن يكونَ كفؤًا لهذه المهمَّة، وإلَّا وجب الاعتماد على الكوادر المحليَّة التي أثبتت قدرتها وإمكاناتها داخل سلطنة عُمان وخارجها، ووجب علينا الوقوف معها ومساندتها بكُلِّ قوَّة، فهم أدرى باحتياجات المتدربين العُمانيين وإمكاناتهم من المدرِّبين الذين يُؤتى بهم من الخارج مُلمَّعين بسِيَر ذاتيَّة لا تمتُّ للواقع بِصِلَة إلَّا مَن رحم ربِّي. د. خصيب بن عبدالله القريني [email protected]