نشرنا في الأسبوع الماضي في هذه الجريدة الغرَّاء (الوطن العُمانيَّة) في العدد المنشور يوم الأحد الموافق التاسع من شهر مايو الجاري مقالًا حوْلَ أسباب تراجع الواقفين، حيث تعرَّضنا لعددٍ من الأسباب التي تؤدِّي إلى عزوف الناس عن الوقف في مختلف العصور. وكان منها عزوف الناس عن التطوُّع في المؤسَّسات الوقفيَّة، حيث قلنا ضِمْن أسباب العزوف ما يلي: (عزوف الناس عن التطوُّع لدعم وتطوير الوقف الخيري، ففي كثير من الأحيان يحتاج الوقف لجهود المتطوِّعين لتفعيله، فعلى سبيل إنشاء دُور وقفيَّة للإيواء يحتاج لمتطوِّعين لتقديم الخدمات لمنتسبي هذه الدُّور، وكذلك إنشاء أوقاف للتعليم يحتاج لمتطوِّعين لتعليم الطلبة. وإنَّ عزوف المتطوِّعين عن دعم هذا النَّوع من الوقف يحوِّل هذه الأوقاف إلى مبانٍ مهجورة معطَّلة عن تقديم الخدمات للناس.)وقد سألتني إحدى القارئات ما علاقات المتطوِّعين بالوقف الخيري، فالوقف الخيري نشاط استثماري عقاري ينتفع من ريع استثماره لصالح الموقوف عليهم؟! فكيف يكون مجالًا للتطوُّع لدعم الوقف الخيري؟ خصوصًا وأنَّ للشخص المكلَّف بإدارة الوقف (ناظر الوقف) حقَّ الحصول على نسبة من ريع الوقف؟ فهو مأجور وليس متطوِّعًا؟ وهنا وجدتُ أنَّه من الضروري توضيح فرص التطوُّع المطروحة من خلال الوقف الخيري.لقد شاع في زماننا أحد نماذج الوقف وهو الوقف غير المباشر، ويُقصد بالوقف غير المباشر هو أن يستثمر العقار بأحد أساليب الاستثمار مثل الإيجار، ويعود ريع الإيجار لخدمة الموقوف عليهم، حيث تُجمع حصيلة أموال إيجارات العقارات الموقوفة، وتنفق في الغرض الذي أوقفت لأجله. فإذا ما أوقفت للسكنى فيدفع إيجار للمحتاجين أو تُرمَّم منازلهم. وإذا ما أوقفت لدعم الطلبة والتعليم، فتنفق الأموال المحصَّلة من الإيجارات لدفع كلفة الدراسة للطلبة أو إلى المَرضى فتدفع هذه المبالغ لتحمُّل العلاج.وكاد يختفي نموذج الوقف المباشر وهو النموذج الذي شاع في العصور السابقة، حيث كانت توقف المستشفيات، والجامعات، ودُور الإيواء وغيرها من المؤسَّسات التي تقدِّم خدمات اجتماعيَّة وإنسانيَّة بشكلٍ مباشر.وسواء كان الوقف مباشرًا، أو غير مباشر، فإنَّ توفير الموارد البَشريَّة لتشغيل الأوقاف أمر ضروري، ولا بُدَّ من توفير نوعَيْنِ من الموارد البَشريَّة:فالنَّوع الأوَّل: يكون بمقابل مادِّي أيْ يكونُ موظفًا، فيُدفع له أجر ثابت شهريًّا، أو نسبة مخصَّصة أو مكافأة، وهذه المبالغ تُدفع من ريع استثمار الوقف.أمَّا النَّوع الثاني من الموارد البَشريَّة فهم المتطوِّعون والذين ينشطون لتطوير الوقف وتقديم الخدمات للموقوف عليهم (المنتفعين من الوقف).وأرى أنَّه يتعذَّر الاكتفاء بالنَّوع الأوَّل من الموارد البَشريَّة، أيْ أنْ يُدار الوقف بموظفين يتقاضون أجرًا ومقابلًا ماديًّا، حيث إنَّ هذه الأجور تستنفد موارد الوقف، ممَّا يضرُّ بمصلحته، وبالتَّالي لا بُدَّ من وجود متطوِّعين يقدِّمون الخدمات لضمان فاعليَّة الوقف وقدرته على الاستمرار في تقديم الخدمات للناس، وهناك الكثير من الفرص للتطوُّع في مجال الوقف الخيري نذكر منها:• التطوُّع في مجال البحث الاجتماعي، حيث يقوم الباحثون الاجتماعيون بعدَّة مهام منها: إجراء البحوث الاجتماعيَّة حوْلَ أحوال الأُسر المستحقَّة لدعم الوقف والوصول لقائمة أسماء المستحقِّين لدعم الوقف، كما يقوم الباحثون الاجتماعيون بتحديث بيانات الموقوف عليهم، حيث تُجدَّد المعلومات حوْلَ التغيُّرات الاجتماعيَّة والماديَّة التي تطرأ على قوائم أسماء المستفيدين من الوقف، والتحقُّق من استمرار حاجتهم للمساعدة. فمثلًا في حالة الحاجة لدعم التعليم يتمُّ متابعة الطلبة والتحقُّق من التزامهم بالدراسة، ومعرفة سنة تخرُّجهم، وتحديد أسماء الذين تركوا الدراسة، وتحديد الوقت المناسب لقطع هذا الدعم، وتشجيع الطلبة على الاستمرار في الدراسة والتفوُّق. إنَّ تحديث بيانات أسماء الموقوف عليهم يُعدُّ أمرًا ضروريًّا، فهو من باب بذل الجهد للحفاظ على مصلحة الوقف ولتحقيق أقصى منفعة منه.• التطوُّع لإدارة وتشغيل الوقف: فيتطوَّع البعض بخبراتهم وجهودهم مِثل المهندسين والمعنيين بالعمل في مجال صيانة المنشآت، والبنَّائين والعمَّال، حيث يتطوَّعون للحفاظ على المباني الموقوفة مستعينين بخبراتهم وجهودهم لتطوير العقارات الموقوفة والحفاظ عليها.• التطوُّع لتقديم خدمة النفع العام من خلال الوقف. ففي العصور السابقة ساد نموذج الوقف المباشر، كما ذكرنا سابقًا، بإنشاء المستشفيات والمؤسَّسات التعليميَّة، ودُور الإيواء وغيرها، وهي مشاريع تنمويَّة اجتماعيَّة تقدِّم خدمات لأفراد المُجتمع، وقد كانت تقدَّم هذه الخدمات مجانيَّة أو بأجرٍ رمزي، ويستفاد من المبالغ المحصَّلة لتطوير الوقف، لذا نجد فرقًا كبيرة من المتطوِّعين يعملون في مِثل هذه المؤسَّسات مِثل الأطبَّاء، والمُعلِّمين، والمعنيين بالرعاية والتأهيل مِثل رعاية الأيتام، والأرامل وغيرهم؛ وبالتَّالي هذه الفِرق الكبيرة من المتطوِّعين، والمختصِّين في مجالات مختلفة، بحاجة لِمَن يقوم بالأعمال الإداريَّة التي تنظِّم العمل داخل هذه المؤسَّسات، والتخطيط للبرامج والخدمات التي تقدَّم من خلالها.ويمكننا القول إنَّ هناك علاقة تكامليَّة بَيْن الوقف والتطوُّع، وبِدُون هذه العلاقة يتغيَّر نموذج الوقف؛ إذ يقتصر دَوْر الوقف على الوقف غير المباشر، وينحسر الوقف المباشر، والذي يقدِّم مشاريع النفع العام الوقفيَّة. تلك المشاريع التي تقدِّم خدمات مباشرة صحيَّة وتعليميَّة واجتماعيَّة لأفراد المُجتمع. كما يمكننا القول إنَّ بجهود المتطوِّعين الداعمة للمشاريع الوقفيَّة يساعد على حفظ الوقف من الضياع، وكم نتمنى تشجيع المتطوِّعين على توجيه جهودهم لدعم الوقف الخيري... ودُمْتُم أبناء قومي سالمين. نجوى عبداللطيف جناحيكاتبة وباحثة اجتماعية بحرينيةمتخصصة في التطوع والوقف الخيري[email protected]Najwa.janahi@