دفعت الأزمة الأوكرانيَّة، ونيران الحرب المُشتعلة على جبهتها مع روسيا الاتحاديَّة، لقيام بكين بتطوير علاقاتها مع موسكو في نقلاتٍ نوعيَّة صارت واضحة خلال عامٍ مضى. فجمهوريَّة الصين الشَّعبيَّة وبقيادة الرجُل القوي فيها الآن (شي جي بينج) بعد انتخابه لدورة ثالثة كرئيس وكأمين عامٍّ للحزب الحاكم، تُدرك أنَّ المواجهة المُشتعلة في قلب أوروبا الآن، هي حرب أميركية بامتياز ضدَّ روسيا والصين الشَّعبيَّة معًا، ومن أجْل إنهاك موسكو ومنع قيام تعدديَّة قطبيَّة، كما كان الحال زمن الحرب الباردة التي امتدَّت منذ أُفول الحرب العالميَّة الثانية نهاية العام 1945 وحتى تفكك وانهيار الكتلة الشرقيَّة وحلف وارسو (حلف فارصوفيا).
بكين على يقينٍ تامٍّ، بأنَّ واشنطن ترى الآن أنَّ هناك محاولات من قِبل الصين الشَّعبيَّة، وفي ظلِّ موقفها من الملف الروسي ـ الأوكراني، لترسيخ شرعيَّة دَوْرها في نظام عالمي جديد بعيدًا عن الهيمنة الأميركيَّة، وبالتعاون مع قوى دوليَّة في طليعتها روسيا، ودوَل مجموعة الـ(بريكس).
ومن جانبٍ آخر، التقديرات الصينيَّة ومنذ بدايات المواجهة المُشتعلة على جبهة روسيا ـ أوكرانيا، ترى أنَّ المواجهة في أوكرانيا ناجمة أيضًا ليس لمنع قيام قطبيَّة مُتعدِّدة في العالم فقط، بل في سياق تحشيد أميركي لإطباق (كماشة) على روسيا عَبر توسيع (حلف الناتو)، وهو ما استولد مخاوف روسيَّة في شأن توسيع حلف (الناتو) على الحدود الروسيَّة، وهي تكاد تعكس مخاوف بكين أيضًا، والمرتبطة بتطوُّر العلاقات الأمنيَّة بين الولايات المتَّحدة، وعدد من الدوَل المجاورة لها، كاليابان وكوريا الجنوبيَّة والفلبين، لذلك فإنَّ زيارة الرئيس الصيني لموسكو جاءت مع استراتيجيَّة بكين الرامية إلى مواجهة الضغوط الالتفافيَّة عليها عَبر خاصرتها في بحر الصين، وسعيها للانخراط بِدَوْر أكبر في حفْظ الاستقرار العالمي، بالتوازي مع مقارعة النفوذ الأميركي، في منطقة بحر الصين وتايوان. فجاءت قمَّة الرئيسَيْن الروسي والصيني (بوتين + بينج)، في موسكو الشهر الماضي آذار/مارس 2023، مع التسخين الخطير بين بكين وواشنطن في بحر الصين، وزاد عليه حادثة إسقاط المنطاد الصيني فوق المياه الإقليميَّة للولايات المتَّحدة، وأزمة «المسيَّرة الأميركيَّة» التي اتُّهمت روسيا بإسقاطها فوق البحر الأسود.
ويقينًا، إنَّ واشنطن تقود الحرب على الجبهة الروسيَّة ـ الأوكرانيَّة من وراء الستار، لكنَّ الاستقطاب الدولي بدأ بالظهور في شأن تلك الحرب على مدى الأشهر الماضية، بين دولة أوروبية متحفظة وتخشى الدخول في زواريب ومتاهات حروبٍ مدمِّرة لا يتحملها الرأي العام الأوروبي ولا مصلحة لتلك البلدان بها، وبين ضغط أميركي عَبر الدعم والتغطية السياسيَّة والماليَّة لأوكرانيا، وعَبر الدفع المتتالي لزجِّ عموم الأوروبيين للدخول في أتون تلك المواجهة المجنونة عَبر إذكاء النيران بتقديم السلاح والعتاد ودبابات (ليوبارد) الألمانيَّة...
إنَّ بكين التي حافظت بشكلٍ دائم على توازن سياساتها الخارجيَّة، ونهجها السلمي، ومقاربتها الناعمة لحلِّ الأزمات الدوليَّة، حاولت أن تبقى على نهجها إيَّاه، لكنَّ تسارع الأحداث على الجبهة الروسيَّة ـ الأوكرانيَّة، ورفض الولايات المتَّحدة لأيِّ مبادرة سلميَّة من طرف الصين الشَّعبيَّة للحلِّ الدبلوماسي بين (موسكو) و(كييف)، دفع الصين للتموضع أكثر فأكثر إلى جانب روسيا الاتحاديَّة.


علي بدوان
كاتب فلسطيني
عضو اتحاد الكتاب العرب
دمشق ـ اليرموك
[email protected]