في العام السادس للهجرة، عقد الرسول (صلى الله عليه وسلم ) صلح الحديبية مع المشركين، وكان من بين شروطه أنه إذا أسلم أحد من المشركين وذهب إلى المسلمين في المدينة يتم رده إلى قومه على الفور، وبعد إتمام الصلح وصل أبو جدل بن سهيل بن عمرو (رضي الله عنه)، إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم ) معلنًا عن إسلامه، ورغم هول الموقف وشدته على الرسول الكريم إلا أنه قام برده إلى قومه وفاءً بشروط صلح الحديبية.
بهذا الموقف يعلمنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) درسًا عظيمًا عن الوفاء بالعهد حتى ولو كان مع مشرك، ونجد في كتاب الله المحكم العديد من الآيات التي تحث على الوفاء بالعهد والالتزام بالكلمة (وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً). والالتزام بالمواثيق والعهود يعتبره العرب صفة لصيقة بالرجولة والشهامة، فتجدهم يعيرون الناكثين عن عهودهم ويرمونهم بأقبح الصفات وينتقصون من رجولتهم.
وإذا ما غدر أحدهم رفعوا له لواءً بسوق عكاظ ليشهروا به، وكان العربي قديمًا إذا قال كلمة وفى بها، ولو أدت به إلى القتل، أو إلى قتل قريب عزيز عليه.
ونجد في التراث العربي كثير من المواقف والاقوال الخالدة عن الوفاء بالكلمة، يقول أحد شعرائهم:
إنَّ الوفاءَ على الكريمِ فريضةٌ
واللؤمُ مقرون بذي الإخلافِ
والوفاء بالعهد لا يقتصر على العلاقة بين البشر فقط، فالإنسان كذلك مسؤول أيَّما مسؤولية عن عهوده مع الخالق، فلا ينبغي له أن ينقض عهداً قطعه مع ربه، وقد حذر المولى ـ عزَّوجل ـ من ذلك في كتابه الكريم (وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ). وفي هذا الزمان، كم نحن بحاجة إلى الوفاء بالعهود في حياتنا اليومية، لما في ذلك من أثر جميل في المعاملة بين الناس، وتدعيم الثقة في مختلف العلاقات بين أفراد المجتمع، فقد كثرت الخيانات وتزعزعت الثقات بين الناس، فنجد الثقة منزوعة بين الاخ وأخيه وبين الرجل وزوجته وبين الأب وابنه والله المستعان.


سعيد بن محمد الرواحي
كاتب عماني