باتت العلاقات الروسية الصينية في خضمِّ التطورات الهائلة الجارية في العالم، وتحديدًا مع استمرار اشتعال النيران على الجبهة الأوكرانية ـ الروسية، وحركة الأساطيل والسُّفن الأميركية في بحرَي الصين والمحيط الهادئ، تفترض حالة من التزاوج الصيني الروسي الذي لا انفكاك عنه، زواج كاثوليكي يعيد كُلَّ يوم ترسيخ العلاقات بين بكين وموسكو.فالتطوُّر المُتسارع في العلاقات الصينية الروسية تحوُّل يُتوقع له أن يَقلبَ موازين القوى في العالم، واصطفاف المنظومات السياسية الكبرى، حال استمرَّ على وتيرته، وهو ما صار يُطلق عليه ومنذ العام 2020 إعادة بناء نظام قطبي مُتعدِّد، تختفي فيه القطبية الأحادية التي سادت واستبدَّت منذ تفكُّك الاتحاد السوفييتي وحلف وارسو بدايات العام 1991. النظام المنشود الذي تُطلق عليه بكين وموسكو مُسمَّى «نظام أمني إقليمي وعالمي عادل». نظام عالمي مُتعدِّد الأقطاب أكثر عدلًا بناءً على القانون الدولي بدلًا من تبنِّي «قواعد» معيَّنة تخدم احتياجات «المليار الذهبي» والمقصود الولايات المتحدة وبعض الأوروبيين، وخصوصًا بالتحديد بريطانيا.في هذا تأتي العلاقات الصينية الروسية وكأنَّها تسير بلا «مُحرَّمات» على حدِّ تعبير الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لدى زيارة الرئيس الصيني (شي جي بينج) إلى موسكو قبل شهرٍ ونصف من تاريخه. والذي أضاف أنَّ «موسكو وبكين ملتزمتان بمبدأ عدم قابلية الأمن للتجزئة»، وأن «حلف شمال الأطلسي (الناتو) ينتهكه بشكل صارخ». فموسكو وبكين تجمعهما نبرة وديناميكيات عديدة قادمة، لها مساراتها في التنمية المتسارعة والمستدامة عبر التعاون بين البلدين الكبيرين في الجغرافيا والسياسة والتأثير الأُممي. وبعلاقاتٍ عمرها قرون من الجوار والتعاون، بعيدًا عن التباينات ذات التفسيرات المُتعلقة بالمفاهيم الأيديولوجية للخطِّ الفكري الواحد سنوات خمسينيات وستينيات القرن الماضي في أوج الحرب الباردة التي كانت بكين أصلًا خارج استقطاباتها، والبرودة التي خيَّمت على العلاقات بينهما وهم رفاق الأيديولوجية الواحدة. ففي حينها مرَّت العلاقات الصينية ـ السوفيتية بمراحل خطيرة بعد وفاة الرئيس السوفييتي جوزف ستالين، ويُحمِّل بعض المؤرخين الروس سياسة الرئيس السوفييتي الأسبق (الثالث) نيكيتا خروتشوف وزر ذلك، وعجز الرئيس السوفييتي (الرابع) ليونيد بريجينيف بعده من حلِّ استعصاءات ملف العلاقات مع الصينيين رفاق الخطِّ الأيديولوجي الواحد.لكنَّ التطوُّرات العاصفة التي وقعت بعد تفكُّك الاتحاد السوفييتي واختلال التوازن الدولي، والمشهد الجيوسياسي في العالم الخارجي الذي تغيَّر بشكلٍ كبير بعد العام 1990، أعاد تصويب مسار العلاقات بين بكين وموسكو في نقلة نوعية هائلة، وخلال هذا الوقت، شهد العالم العديد من التغييرات، فتمَّ إعادة ترسيخ العلاقات الطيبة والإيجابية وذات المنافع المتبادلة بين روسيا والصين، والتي تزداد قوة باستمرار كما تشي كُلُّ المعطيات.وعليه، إنَّ تطوُّر وتطوير العلاقات الثنائية بين موسكو وبكين، يسير إلى مستويات مُتقدِّمة، وباتت تكتسب المزيد من التماسك، وهو ما تبدَّى من خلال التوافق على عدَّة عناوين ذات بُعدٍ دولي، تساند فيها بكين الموقف الروسي بشكلٍ لا رجعة عنه، وأهمها ما له علاقة بالحرب الموظَّفة أميركيًّا وباستخدام أوكرانيا والأوروبيين وحلف الناتو وقودًا لها في الحرب على روسيا. فالأزمة في أوكرانيا والحرب على تلك الجبهة، أثارتها الولايات المتحدة وتسعى لتأجيجها وقطع الطريق على الحلول السياسية الدبلوماسية، وهي تعبير عن رغبة واشنطن في الحفاظ على هيمنتها الدولية وعلى النظام العالمي أحادي القطب. علي بدوانكاتب فلسطينيعضو اتحاد الكتاب العربدمشق ـ اليرموك[email protected]