في السفر يجِبُ أن يتضاعف حذرك أضعاف وضعك وأنت في بلدك، إذ يجِبُ أن تكون متيقظًا دائمًا وتفسِّر الأمور وفق مسارات مختلفة ومتعدِّدة، وهنا لا أقصد إلَّا الحدَّ الطبيعي من الحذر بمعنى أن لا تشطح في هذا الأمْر لتصل إلى مستويات مُرضية. ولكن في المقابل أن تمارس حياتك في السفر كما هي في بلدك، فهذا أمْر لا يمكن القَبول به بتاتًا؛ نتيجة لاختلاف الظروف المحيطة بك.لكن في المقابل ـ ورغم الحذر ـ ستجد نفسك أحيانًا خارج الخدمة، والأمْر يحدث عند أكثر الناس حذرًا، هذا ما حدث لنا في جاكرتا عاصمة إندونيسيا، حيث وبعد ما كنَّا نحزم حقائبنا للرحيل وفي آخر محطَّة قَبل الذهاب للمطار، قرَّر رفاق الرحلة الذهاب إلى أحد أكبر المولات في العاصمة، وقد كانت جميع حقائبنا في السيارة التي أخذناها منذ البداية بسائقها والتي تجوَّلنا فيها في مختلف مناطق إندونيسيا. ونتيجة للسرعة التي كانت تتملكنا ورغبتنا في إنهاء مشترياتنا قَبل الذهاب للمطار، فقد تركنا جميع حقائبنا في السيارة واتَّجهنا بدون وعي إلى المول، على أساس أن ينتظرنا السائق في مواقف المول، ولم ينتبه أيٌّ منَّا بأنَّ ما فعلناه هو في الواقع نوع من الإهمال واللامبالاة، فكيف بنا ونحن الحريصون على كلِّ التفاصيل لم نفكر لحظةً في الأمْر، وجميع أغراضنا في الحقائب، بل والأدهى أنَّ البعض ترك جوازه في حقائبه! متى تذكَّرنا الأمْر عندما اشترينا ما كنَّا نريده، فإذا بهاتف السائق مغلق، عندها بدأنا ننتبه لِما فعلناه وبدأنا نلوم أنفسنا وكيف أنَّ أحدًا منَّا لم ينتبه لهذا الموقف. وبدأت السيناريوهات تتكالب علينا وكيف سنواجه هذه المشكلة، وكيف الحل في موضوع الجوازات؟ وموعد الذهاب للمطار لم يبقَ عليه سوى ساعات قليلة؟ أسئلة كثيرة بدأت تزدحم في مخيلتنا، وبدأت الأمور تسير في منحى آخر، والكلُّ مذهول من أمْر هذا الموقف، إلى أن بدأنا نهدأ ونفكر كيف السبيل إلى الوصول إلى السائق على افتراض أنَّ الأمْر ليس مدبرًا، وأنَّ الموضوع قد يكون بالفعل ناتجًا من أنَّ بطارية هاتفه قد نفدت، فما الحلُّ؟ الحمد لله أنَّ اسمه وصورته ورقم السيارة وصورتها في هواتفنا، وهنا يجِبُ أن نقف برهة من التفكير في أنَّ أوَّل أمْر عند ركوبك لأيِّ سيارة أُجرة أو عند أخذك لسيارة بسائقها يجِبُ أن تضْمنَ هذه المعلومات وتوزِّعها على رفاق الرحلة، بل وترسلها لعائلتك لمزيد من الحرص ولمِثل هذه المواقف التي لا تخطر على بال. حقيقة أنَّ الإنسان يميل دائمًا إلى نظرية المؤامرة وإلى الجانب السلبي في التفكير، فحقيقة كانت الأمور كلُّها تصوِّر الوضع بشكلٍ سلبي وأنَّ الأمْر كان مخططًا له من السائق، إلى أن بدأنا في التفكير والذهاب إلى المسؤولين عن أمن المول لمعرفة الكيفية التي سنصل بها إلى السائق، لنتفاجأ بأنَّ جميع المعلومات لديهم وبأنَّ السائق بنفسه تواصل معهم، وأنَّ السبب الرئيس هو نفاد شحن بطاريته، فتمَّت العملية بسلام، وبدَوْنا غير مصدِّقين لِما حدث برهة من الزمن، حيث ورغم الحذر إلَّا أنَّ الموقف كان عصيبًا. وهنا تعلَّمنا درسًا يصعب علينا أن نعيد تكراره في سفرنا بصورة خاصة، وربما هي فائدة من فوائد السفر الذي هو في النهاية مدرسة واقعية لاكتساب الخبرات المباشرة وعن طريق التجارب الحقيقية. د. خصيب بن عبدالله القريني [email protected]