انتهى الشهر الفضيل، بكل ما فيه من جلال، وكمال، ودروس، وآداب، وقيم، وأخلاقيات كثيرة، وجاء العيد المبارك، عيد الفطر، وأخرج المسلمون زكاة صيامهم؛ فرحًا بالطاعة، وشكرا لله، وابتهاجا بفضل اله، وقبول الأعمال، وقفوا عند قول الرسول الكريم عملا وتأدبا مع الفقراء :”اغنوهم عن السؤال في ها اليوم”، فراح كل مسلم يعرف هؤلاء الفقراء، والمساكين في حيه أو قريته، أو مدينته، وهب إليه مسلما عليه، في هذا اليوم وأعطاه ما كان زائدا على حاجته، وحاجة أولاده، تكافلا وتراحما، وتعاونا، وفعل ذلك جميع المسلمين، ونهضوا ليُسعدوهم كما أسعدهم الله بعطائه، وأغناهم من فضله، فراحوا يخرجون زكاة الفطر، ويسعون لفرحة هؤلاء المعاويز، وأولئك الفقراء، ويقومون بحاجاتهم، ويلبون مطالبهم، ويدخلون عليهم السعادة مالا وثيابا وطعاما وشرابا، ومن خصائص هذا العيد، والأعياد في الإسلام أنهاأعياد تكافل، وتراحم، وتعاون، وترابط بين الفقراء، والأغنياء، فيشركونهم في أموالهم وطعامهم وشرابهم وفرحتهم، ويدخلون عليهم السعادة بكل ما يستطيعون.ومن خصائص العيد أنه عيد رباني، إلهي، استنه الله- تعالى- وجعله عقب طاعة كبيرة كالصيام في رمضان، أو عيد الأضحى بعد عبادة الحج الأكبر، حيث يأتي هذا العيد في نهاية شهر رمضان الكريم، بعد القيام بعبادة الصوم التي فرضها الله – تعالى- تحقيقا للتقوى، وتحصيلا لها، كما يأتي عيد الأضحى بعد عبادة ، أو فريضة الحج، فهو عيد يأتي تعبيرًا عن فرحة المسلم بطاعة الله: صيامًا، وحجًّا، فهو يزكي ويضحي، ويتقرب إلى الله.ومن خصائص العيد أن عيدٌ كَوْني، يشمل المسلمين في كل مكان من أرض الله، فجميع المسلمين في شتى بقاع الأرض يزكُّون، ويفرحون، ويعيشون معا أجواء الفرحة الحقيقة بانتهاء طاعة كبيرة بكل معانيها ودلالاتها، وقيمها ، ودروسها التي لا تنتهي مع تدبرها، وفقهها.ومنها كذلك أنه أعياد اجتماعية، يزور المسلمون فيه بعضهم بعضا، ويهنؤون بعضهم بحلول عيد الفطر المبارك، ويُوسِعون على أولادهم في المال، صغارًا وكبارًا، بنينَ، وبناتٍ، ويتزاورون فيما بينهم، ويتباذلون، وتنطلق على ألسنتهم عبارات التهاني وفق عاداتِ كل مجتمع، فتسمع -على سبيل المثال- كلمات مثل:” كل عام وأنتم بخير، عيد مبارك، عساكم من عُوَّاده، يعود عليكم بالخير والبركات، هُنِّئتم بالعيد السعيد، تقبل الله منا ومنكم، وأعاده علينا وعليكم بالبركة والخير، عيد سعيد، تهانينا بالعيد”، ونحوها من عبارات التهاني، والفرح، وتبادل تلك العبارات في كل مكان.وكذلك شريحة الأطفال التي يهتم بها الآباء والأمهات، فهم يفرحون لفرحهم، ويرونهم وهم يسعدون بكل ألوان السعادة والفرحة، ويشترون ما يريدون من اللعب، والحلوى، ويرتدون أجمل الثياب، وأحسن الملابس، والجميع يظهر بالزي الجديد؛ ابتهاجا بالعيد السعيد.ومنها أن المسلمين يخرجون إلى المساجد الكبرى، والساحات الواسعة التي أعِدَّتْ لصلاة العيد في كل محافظة، أو قرية، أو مدينة، يملؤون الدنيا ذكرا وشكرا ، وهم بثيابهم البيضاء في مشهد ملائكي، مَهيبٍ يدل على جمال، ونظافة، ونقاء، وصفاء القلوب ، ملابسهم بيضاء، تجعلهم كالملائكة منساحين في الأرض، كل الأرض، يذهبون من طريق، ويعودون من طريق أخرى، حتى يسلم عليهم أكبر قدر من الملائكة السياحين في الأرض يدعون لكل مسلم، ومسلمة، ويهنئونهم بحلول العيد المبارك.حقا،إن عيد الفطر المبارك ،وأعياد الإسلام بعامة فيها تربويات كثيرة، منها في عيد الفطر المبارك إخراج الزكاة، وألوان التكافل، وأساليب التعاون ، ومنها التزاور، والتراحم بين الأهل والعشائر، والجيران، ومنها كذلك المسارعة في إغناء الفقراء، وذوي الحاجات عن السؤال في هذا اليوم، وإدخال الفرحة عليهم، ومنها التوسعةُ على الأهل، والجيران، ومنها شكر الله على نعمة الصيام، والقيام، ومنها زيادة الترابط بين المسلمين، ووحدتهم، والظهور بمظهر القوة، والطهر، والعفاف، ومنها الاجتماع، وإظهار تعاليم الإسلام في الصلاة، والزكاة، وشدة التعاون، والتكافل والتراحم بين عناصر المجتمع، وتقوية أركانه، وتشييد بنيانه.نسأل الله أن يتقبل منا رمضان، وأن يضاعف لنا فيه الأجرَ، والثواب، وأن يرزقنا قبول الأعمال، وصلاح الأحوال، وأن يبقينا إلى رمضاناتٍ أخرى، وألا يحرمَنا نعمة الطاعة، وجلال العبادة بكل أطيافها، وأنواعها، إنه ولي ذلك، والقادر عليه، والحمد لله الذي بنعمته تتمُّ الصالحات، وكل عام وأنتم جميعا بخير، تقبل الله منا ومنكم، وصلى الله، وسلم، وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله، وصحبه أجمعين. د. جمال عبد العزيز أحمد جامعة القاهرة - كلية دار العلوم بجمهورية مصر العربية[email protected]