أخلص أبو طالب عم النبي (صلى الله عليه وسلم) في حبه للنبي الكريم فكفله بعد وفاة جده وأحسن تربيته وفعل كل ما يستطيع لتوفير الحماية له وكف أذى قريش عنه، وكانت وفاته من أشد الابتلاءات التي زلزلت المصطفى وأدخلت الحزن الشديد في قلبه.
يروي سعيد بن المسيب عن أبيه أنه عندما حضرت أبوطالب الوفاة، اجتهد الرسول الله (صلى الله عليه وسلم) لتلقينه الشهادتين قائلًا:(يا عم قل لا إله إلا الله، كلمة أشهد لك بها عند الله)، لكنّ أبا جهل وأمية بن المغيرة كانا يجلسان على رأس أبي طالب ويقولان له:(يا أبا طالب أترغب عن ملة عبد المطلب؟، فلم يزل رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يعرض الشهادتين، حتى قال أبو طالب آخر ما كلمهم: على ملة عبد المطلب، فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): أما والله لأستغفرنَّ لك ما لم أنهَ عنك، فأنزل الله عز وجل:(ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولى قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم).
هذا الموقف العظيم يعلمنا أن الفيصل بين الحق والباطل هو الايمان بالله عزوجل، وأن الانسان مهما فعل من خير وسعى في الأرض بالحسنى دون أن يقر بوجود الله؛ تحبط أعماله جميعها وتصبح هباء منثورا لا قيمة لهالأنها فقدت شرطها الأساسي (وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ).
وفي هذه الأيام نجد من يتساءل عن مصير كثير من العلماء والمفكرين والمبدعين في العالم الذين قدموا للبشرية خلاصة تفكيرهم وجهدهم، وساهموا في ابتكار الكثير من مسهلات الحياة، وأستفاد البشر من إبداعاتهم في كل أنحاء الأرض، لكنهم لم يقروا بوجود الخالق، كيف سيكون مصيرهم؟ وهل سيجزون بما عملوا من خير للبشرية؟.
وهنا أعود لأذكرهم بما قدمه أبوطالب من أعمال عظيمة وأفضال جزيلة لكنها تساقطت كلها كرماد في يوم ريح، بعد ان أخذته العزة بالإثم ورفض أن يتمم عمله بالأساس المتين الذي خُلق الانسان لأجله، وهل هناك عمل أعظم من رعاية سيد البشرية والإحسان إليه؟، لكن كل ذلك لم يشفع له وتوعده رب العزة بالجحيم والعياذ بالله.

سعيد بن محمد الرواحي
كاتب عماني