يطالعنا يوم الفرقان في كل عام يوم السابع عشر من شهر رمضان، حيث جرت أحداث غزوة بدر التي سمَّاها القرآن الكريم يوم الفرقان، ونعرف- من خلال السيرة المطهرة- أسبابه، وأحداثها، ونتائجها على المستويات: العسكرية والاجتماعية والإنسانية، وغيرها من المستويات، غير أني أعرِّج على جوانب بلاغية دلالية مرتبة بقيم إيمانية في آيات تلك الغزوة الكبرى التي غيرت مجرى التاريخ، حيث بدأ الله الآيات بأسلوب القسم، والفعل الماضي، وأسند الفعل إلى ذاته العلية؛ ليبين خطورتها، وجلالها، ومنزلتها في الإسلام؛ إذ تولى الله- تعالى- فيها النصر بذاته، وقدسيته، قال- تعالى-:”(وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (123)”، فالواو هي الواو الواقعة في جواب القسم، واللام لام القسم، و “قد “ حرف تحقيق، والفاعل هو اسم الجلالة، والباء في (ببدر) بمعني (في) وجملة الحال:” وأنتم أذلة” تبيِّن هيئتهم، وهم في وسط المعركة، ضعافا: قلة عتاد، وقلة زاد، وقلة عَدد وعُدَد، وإسناد الفعل إلى “الله” هو قمة التشريف، والتثبيت، ومقتضى ذلك أن يتقوا الله؛ لأن تقواه مفضية إلى شكره على نعمة النصر، فهو إقرار يحمل التطمين للمؤمنين، والفعل “يُمِد” بضم الياء هو الفعل الرباعي وقد أُسنِد إلى الله- تعالى- كذلك، وتكرر الفعل “يمد” مسندا إلى “الله” أو “ربكم”، فأحداث الغزوة كلها بيد الله، وهو الرقيب الحسيب في كل أحداثها، ثم أسلوب القصر باستعمال النفي والاستثناء، وهو أسلوب توكيد في الأصل، فقد أخلص للبشرى، ولمجموع المؤمنين، ولاطمئنان قلوبهم، والفاعل هنا هو “قلوبُكم”، ثم عاد فأكد بأسلوب القصر ، الذي يعني أن النصر لا يكون إلا من عند الله العزيز الذي لا يغلب، الحكيم الذي يضع الشيء في نصابه.
فنرى أنه قد تعددت الأساليب المثبتِّة والمقوِّية، فمنها أسلوب القسم، وأسلوب الحال، وأسلوب الرجاء، وأسلوب الأمر، وأسلوب الاستفهام الإنكاري، وأسلوب النفي، وأسلوب الشرط، وأسلوب العطف، وأسلوب القصر، وأسلوب التعليل، وأسلوب التوكيد، كل تلك الأساليب القرآنية أسهمتْ في ترسيخ وتعميق قضية النصر- في تلك الغزوة- في قلوب وأفئدة الصحابة، وبيَّن الله تفضُلَه على المؤمنين ونصره إياهم، وليس ثَمَّ أي دخل للمؤمنين في تحقيقه، فهو نصر رباني مبين.
قال- تعالى-:”وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (123) إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ (124) بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ (125) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (126)” سورة آل عمران.
وتحكي سورة الفرقان الغزوة كاملة من أول حدوث المعركة، ورؤيتها في منام الرسول الكريم، ورؤياه إلى النهاية، وتوزيع الغنائم، وشرحت الآيات مجريات الغزوة، ثم يأتي في نهايتها النداء الرباني الذي ختم الآية ختاما حازما، وأرسى قواعد اللقاء العسكري بين المؤمنين، وغيرهم، وخلاصته ثباتٌ، وذِكْرٌ بعد التجهيز والإعداد، والتدريب، وأسلوب النداء، وأسلوب الشرط، وأسلوب الأمر، وأسلوب الرجاء قال- تعالى-:”:” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (45)”. وتخلل الآيات الكريمات توكيداتٌ، وتطميناتٌ، وتعليلاتُ، واستعمال أفعال اليقين، والأفعال الماضية المثبتة يأتي لتطمين القلوب، وأسلوب الاستدراك، والتعليل، وأسلوب التوكيد الذي دخله أكثر من مؤكد، قال- تعالى-:”وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (41) إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ (42) إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (43) وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (44) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (45) سورة الأنفال.
تنتهي أحداث تلك الغزوة بدروس إيمانية، تخللت أسلوب القرآن الكريم، الذي تضمَّن كناياتٍ، وطباقا، ومقابلة، ودخلته حروف الصلة التي تؤكد المعنى، وتوسده في قلب المؤمنين، وتحقق النصر المبين، رغم ذلتهم، وقلة عددهم، واهتراء عتادهم، لكنَّ إيمانهم بالله، والتزامهم بأمر الرسول الكريم- كان كفيلا بأن ينصرهم الله بذاته المقدسة حيث ارتبط النصر بالله - جل جلاله- جل جلاله، وكان معهم في كل أحداثها تثبيتا وترسيخا وتأكيدا للنصر، وكذا كل من كان مع الله لا يحزن لقلة عدد، أو لضعف عدة، فالله معه، وهو على كل شيء قدير”.
والحمد لله رب العالمين.



د. جمال عبد العزيز أحمد
جامعة القاهرة - كلية دار العلوم بجمهورية مصر العربية
[email protected]