منذ عرفت مصر الإذاعة، في ثلاثينيات القرن الماضي، كان لشهر رمضان مكانة خاصة، وفيه تعرف الجمهور على نجوم التلاوة القرآنية؛ الشيوخ مصطفى إسماعيل ومحمد صديق المنشاوي، وعبد الباسط عبد الصمد، ومنشدي التواشيح الدينية التي أحيت أصواتهم ليالي الشهر الفضيل؛ طه الفاشني وسيد النقشبندي، ونصر الدين طوبار، وكان الناس لا يجلسون إلى مائدة الإفطار إلَّا بعد سماع أذان المغرب ينطلق من الإذاعة بصوت الشيخ محمد رفعت. وحرصت الإذاعة المصرية على تقديم مسلسل درامي عقب الإفطار، كانت تستعين فيه بممثِّلي الصف الأول من نجوم السينما والغناء والمسرح، وصفوة الكتَّاب والمخرجين، ثم ظهر في نهاية الستينيات ظاهرة المسلسلات الكوميدية والتي احتكرها لسنوات الكوميديان الراحل فؤاد المهندس وزوجته الفنانة شويكار.وعند ظهور التليفزيون بمصر في العام 1960م، حاول تقليد الإذاعة في إنتاج مسلسل درامي عالي المستوى في شهر رمضان، ولكن ضعف انتشار التليفزيون بين المصريين، ومحدودية ساعات إرساله حالت دون قدرته على منافسة الإذاعة في ذلك الوقت، حيث كانت أغلبية المصريين تنتظر المسلسل الإذاعي وتحفظ مقاطع كاملة منه، وتظل ترددها طوال العام. بعد حرب أكتوبر 1973م، دخلت مصر عصر ما يُسمَّى بالانفتاح الاقتصادي بعد زوال الحصار الذي فرضه الغرب على مصر طوال سني حكم الرئيس عبدالناصر، وأخذت أجهزة التليفزيون تنتشر وتدخل بيوت المصريين، وتزيح الإذاعة عن عرشها، وبدلًا من تناول الإفطار، وآذانهم مع ميكروفون الإذاعة، استلبت شاشة التليفزيون الاهتمام، خصوصًا مع ظهور التليفزيون الملوَّن في الثمانينيات، وبداية حقبة الفوازير التي تناوب على تقديمها نيللي وشريهان، تحت قيادة المخرج الاستعراضي فهمي عبد الحميد، وانتعشت صناعة الإعلانات، وتفنَّن القائمون عليها في جذب المشاهدين من خلال الصورة المبهرة والمحتوى الدرامي الخفيف.بدأت المسلسلات التليفزيونية تتطور في نهاية السبعينيات، بظهور جيل الكتَّاب العظام محفوظ عبدالرحمن ووحيد حامد، والمخرجين الموهوبين يحيى العلمي وإسماعيل عبد الحافظ ومحمد فاضل، فظهرت مسلسلات أحلام الفتى الطائر لنجم الكوميديا عادل إمام، وبابا عبده لعبدالمنعم مدبولي، والأيام لطه حسين بطولة النجم أحمد زكي، والشهد والدموع الذي كان باكورة مشروع فني بين أسامة أنور عكاشة وإسماعيل عبد الحافظ، وثبت أركانه مسلسل ليالي الحلمية، الذي حقق نجاحًا منقطع النظير في مصر والبلاد العربية، وبفضله عرفت الدراما العربية المسلسلات متعددة الأجزاء، والذي تناول عكاشة من خلاله تاريخ مصر الحديث والتحولات الاجتماعية التي طرأت على الشخصية المصرية.كما شهد رمضان ظهور مسلسلات الجاسوسية للكاتب صالح مرسي والمخرج يحيى العلمي، والتي بدأت بدموع في عيون وقحة، بطولة عادل إمام أو «جمعة الشوان»، وتكرر التعاون بينهما في مسلسل رأفت الهجان للنجم محمود عبدالعزيز، والذي تكون من ثلاثة أجزاء، وما زال يحقق نجاحًا عند إعادة عرضه حتى الآن.باختفاء جيل المؤلفين والمخرجين العظام، فقدت المسلسلات المصرية كثيرًا من بريقها، ولم يستطع الجيل الجديد ملء الفراغ، وتغول نجوم الدراما على دور المؤلف والمخرج، وأصبحت الأعمال الدرامية تفصل خصيصًا على مقاس النجم دون الالتفات للبناء الدرامي أو منطقية الأحداث، ودخل على الخط في السنين الأخيرة، ظاهرة ورشة الكتابة، وفيها يجلس بطل العمل مع المخرج ومجموعة من الكتَّاب الشباب، ويؤلفون عملًا دراميًّا «مبتسرًا» إرضاء للنجم الذي يُملي شروطه ويفرض رغباته على فريق العمل، ولاحظنا في رمضان هذا العام، انتشار لافتة؛ إخراج وتأليف وسيناريو وحوار فلان الفلاني. محمد عبد الصادق[email protected]كاتب صحفي مصري