- ضمن القائمة القصيرة للبوكرأجرى ــ اللقاء وحيد تاجا:وصلت رواية (مَنّا.. قيامة شتات الصحراء).. للروائي الجزائري الصديق حاج أحمد الزيواني إلى القائمة القصيرة لجائزة الرواية العربية ( البوكر)، وهي ثالث عمل روائي يصدره الزيواني بعد روايتي مملكة الزيوان وكاماراد. وفي حديثها عن الرواية تقول الناقدة آمنة بلعلى: رواية (مَنّا) نصّ مختلف، سعى من خلاله الروائي الزيواني، إلى بناء متخيّل روائي مدهش بموضوعِه وفي رؤيتِه، هذا النصّ مكّن الصحراء من أن تنطق، وتبوح بما أخفت. وبحسب الناقدة الرواية تحكي عن المعاناة والخديعة، وأساليب الهيمنة وصناعة التابع، لكنها تحكي أيضا عن المعنى والقيمة الأخلاقية الإنسانية، وتؤرّخ لمتخيّل صحراء، لم نكن نعرفها من قبل.عن روايته قال الزيواني في لقاء مع (الوطن): إنّ الرواية تاريخية بينية، تيمتها الأساس جفاف 1973 الذي ضرب صحراء شمال مالي فقضى على المواشي والبشر ففرّ الناس باتجاه الشمال عند برج باجي مختار وتيمياوين، حيث فتحت لهم الجزائر مراكز الإغاثة واللجوء، وقد بقوا هناك بتلك المراكز حتى عام 1976 بعدها استقرّوا بتلك النقاط وبنوا بيوتا فوضوية حتى حازوا بتقادمها واكتسبوا الوثائق الرسمية، ومع مجيء 1980 قام القذافي بنداء بمدينة أوباري من جنوب ليبيا. ويبدو أن التاريخ المعاصر للصحراء الكبرى، قد صمت وتجاوز جفاف 1973، ولم ينل هذا الحدث التاريخي البارز في الساحل الإفريقي، ما يستحق من الدراسة والعناية، لتأتي الرواية فتهدم التاريخ، وتحاول تشكيل الرؤية التاريخية، من منظور تخيلي. ويعتبر الروائي الزيواني من الأصوات المتميّزة في التجربة السردية الجزائرية، استطاع أن يأخذ مكانته في المشهد الأدبي الجزائري منذ صدور روايته الأولى (مملكة الزيوان) والتي جاءت محاكية لقصور توات الطينية، فيما راحت الرواية الثانية (كاماراد)، تعالج هجرة الإفريقي الأسود نحو أوروبا، أما الرواية الثالثة (مَنّا... قيامة شتات الصحراء)، فجاءت لتعرية أسباب هجرة الطوارق والعرب الحسّان من شمال مالي نحو الجزائر.يذكر ان الصديق حاج أحمد ، من مواليد 19/12/1967 بزاوية الشيخ المغيلي من ولاية أدرار الصحراوية بالجزائر. حاصل على شهادة الدكتوراه في اللسانيات من جامعة الجزائر المركزية. أستاذ لسانيات النص و فقه اللغة بجامعة أدرار. مهتم بالدراسات التاريخية الأنثربولوجية. صدر له: التاريخ الثقافي لإقليم توات، الشيخ محمد بن بادي الكنتي حياته وآثاره.بداية، مبروك وصول روايتك إلى القائمة القصيرة لجائزة البوكر.. فهل كنت تتوقع لها هذا ؟- بصراحة كنتُ بين بين.. لا يمكنك توقع صعود روايتك بشكل جازم، لسبب بسيط، وهو جهلك للنصوص المرشحة.*يسجل لك التشويق والفضول الذي أثرته باختيارك لـعنوان الرواية.. فما الذي يعنيه هذا العنوان (مَنّا.. قيامة شتات الصحراء)؟- طبعا.. لا بد أن يكون لافتا واستفزازيا للمتلقي إن صحّ التعبير.. فلفظ منّا؛ لفط طارقي غير عربي، بمعنى الجفاف في العربية؛ لكن يأتي العنوان الفرعي، فيفكّ شيئا من شفرة العنوان الرئيس، غير أن ذلك لا يقنع القاريء إلا بالولوج للنص.كيف جاءت فكرة الرواية.. وكيف تم التحضير لها ؟- تعود فكرة الرواية لأكثر من عقدين ونيف، عندما كنت طالبا بقسم الماجستير بجامعة الجزائر المركزية، واخترت إحدى الشخصيات الأدبية المغمورة بشمال مالي، حيث تطلب مني الأمر، السفر إلى تلك الخيام والبوادي، فرُويتْ لي روايات موجعة من طرف الشيوخ والعجائز عن الجفاف الذي ضرب مراعيهم سنة 1973، وما جرى من تهجير وموت وخراب ألم بهم، فظلّت تلك المرويات تسكن ذاكرتي، وفي كل مرة تتنبه، حتى وجدت الفرصة سانحة في ترميم أعطاب ذاكرتي، والعودة مجددا لتلك البوادي ومشافهة الشيوخ والعجائز عن تلك المأساة الإنسانية، التي غيّرت مسار الصحراء الكبرى.المكان ( الصحراء الكبرى، وما جاورها من بلاد الزنوج الأفارقة) هو البطل الأساسي في كل أعمالك الروائية،. لماذا.. وما الذي تعنيه الصحراء في مشروعك الروائي؟- مذ ولجت نادي السرد بأول رواية لي وهي مملكة الزيوان سنة 2013، رسمت لنفسي مشروعا واعيا يميّزني ويختصّ بي، ألا وهو الصحراء الكبرى وما جاورها من بلاد الزنوج، بحكم أن هذه المناخات والأتربة مجهولة وغير محروثة سرديا في المدونة السردية العربية. الصحراء تعني لي الهوية والذات في كامل توصيفاتها الفيزيقية واللامرئية.وما الفارق برأيك بين الكتابة عن الصحراء والمدينة؟- تسريد الصحراء أصعب من تسريد المدينة، لعدة اعتبارات موضوعية، فالصحراء مفتوحة على الفراغ والتيه، بينما المدينة ضاجة وعامرة بالتأثيث الفضائي، لذلك فتسريد الصحراء، يحتاج إلى زاد فلسفي تأملي، تستنطق به الفراغ.* اعتماد الرواية على حدث واقعي قد يشي بكتابة تسجيلية واقعية وأقرب إلى التقريرية. ولكن الرواية تفاجئك بالمساحة التي يسيطر فيها الخيال والأسطورة؟- أي كتابة تخيلية، لا بد أن يكون لها معادل موضوعي في الواقع، لكن لا يمكنك تخييل حدث تاريخي، دونما القراءة والمرويات والمشاهدة، كل ذلك سيهدم في لحظة التخييل ويعاد تشكيله وفق رؤية الروائي وبنائه لمسارات الأحداث ومصائر الشخوص، حيث تتجلّى الصناعة الروائية، بكل تعقيداتها وملابساتها المواربة.هل يمكن التعامل مع الرواية التاريخية كوثيقة يمكن الرجوع إليها؟ وهل يحق لكاتب أن يغير من مصير شخصية ما من أجل ضرورة درامية ما؟- المؤرخ إنسان صارم، معبوده هو الوثيقة ولا شيء دونها، بينما الروائي له هامش التخييل، الذي يستطيع بمهاراته وحذقه، أن يصبغ الأحمر أصفر، دون التغيير من الحدث المنطقي.يلاحظ التركيز في الرواية الجديدة، على الربط بين السياسي والاجتماعي والثقافي؟- الجانب السياسي مهم في الرواية، هو ما يكسبها جانب الإثارة، فضلا أن الوضع السياسي، هو الصانع للوضع الاجتماعي والثقافي، فمثلا في الدول التي تعيش حروبا وأزمات سياسية، تجد أن هذا الوضع السياسي يؤثر سلبا على الحياة الاجتماعية والثقافية.لفت النظر في الرواية علاقة الحب الجميلة بين بادي وهكتا ابنة خاله.. والإشارة من خلالها على التقاليد والثقافة في تلك المنطقة، هل هناك متسع للحب في مثل هذه الظروف؟- طبعا يبقى الحب أكسجين الحياة، رغم الموت والخراب، يظل بادي متمسكا بأهداب الحياة واكسيرها.. نعم.. مجتمع التوارق مجتمع راق ومنفتح وغير معقد، إذ تمثل المرأة المركز.يرى الروائي امين الزاوي، أنك (نموذج للروائي الذي يتّخذ من عتبة البيت نقطة انطلاق، إنه يحلق بصبر وأناة، ينطلق من محليته نحو العالمية والإنسانية). ما رأيك.. وماهو مفهومك للرواية العالمية ؟- شهادة أعتزّ بها من كاتب مرموق، فعلا هي كلمة قالها يوم صدرت كاماراد، فالمحلية وعتبة البيت هما نقطة الانطلاق للعالمية، ولنا في أدب أميركا اللاتينية خير مثال على ذلك.