ـ توحيد جهات التقاضي والادعاء العام فـي منظومة قضائية واحدة لتسهيل إجراءات التقاضيصلالة ـ «الوطن»:شكَّلت محاضرة (التنظيم القضائي في سلطنة عُمان) التي أقامتها كلِّية الحقوق بجامعة ظفار مؤخرًا ملامح سياحة في الفقه القانوني وجلسة استماع وتبادل أفكار ورؤى ونقاش حر. وقد ألقى المحاضرة الشيخ الدكتور يعقوب بن محمد السعيدي ـ قاضي المحكمة العليا، الذي أشار خلالها في مبدأ حديثه إلى أهمية القضاء في الماضي وكيف أن شرائع الأنبياء وآراء الحكماء والعقلاء اتفقت على أن العدل سبب لنمو البركات وأن فساد القضاء مؤذن بنهاية الدولة وأن لا حضارة ولا تنمية في غياب العدل وفق ابن خلدون، مضيفًا أنَّ ذلك القضاء ليس وظيفة أو مرفقًا وإنما هو سُلطة أو ولاية وقد تغيب عن هيكلية الدولة بعض المؤسسات والوزارات، لكن من غير المتصور غياب القضاء والصحة والتعليم والأمن. ومن هنا تأتي في الحاضر أهمية القضاء العادل في تحقيق الأمن العام والأمن الاجتماعي والأمن الاقتصادي، وذلك بإحقاق الحق وإقامة العدل ورفع الظلم عن طريق تطبيق القوانين المعمول بها في الدولة، ويمثل هذا مبدأ المشروعية وهو من المبادئ التي يقوم عليها التنظيم القضائي التي تشمل استقلال القضاء وهو شرط وجوده إن لم يكن أصل نشوئه وتكوينه، كذلك الحياد ميزة لكيان ومشروعية القضاء العادل في كل دولة واستقلال القضاء شرط لتحقيق الحياد والحاد شرط لإحقاق الحق وإقامة العدل وهما شرطان متلازمان لا ينفكان، كذلك يجب أن يتحلى القضاء بالنزاهة والمساواة بين الخصوم واحترام مبادئ المحاكمة العادلة، فبتلك المبادئ وهذا النهج صارت التشريعات العمانية واستقلال القضاء واجبًا على الدولة وحقًّا للقاضي والمتقاضين.وتناول الدكتور السعيدي مراحل تدرُّج القضاء في سلطنة عمان وذلك من العام 1920 (القضاء الشرعي) وقانون السُّلطة القضائية رقم:(90/1999) وأهم ملامحه التي تمثلت في تشكيل مجلس الشؤون الإدارية للقضاء والتبعية في بعض المسائل بوزارة العدل، بعد ذلك عرَّج الشيخ الدكتور إلى القانون رقم:(35/2022)، مشيرًا إلى ما نصَّ عليه النظام الأساسي للدولة (الدستور) بشأن استقلال القضاء، فقد عزز ذلك الصادر في شأن إدارة شؤون القضاء، وفصل السُّلطة القضائية فصلًا تامًّا عن السُّلطة التنفيذية وقيام المجلس الأعلى للقضاء متمتعًا بالشخصية الاعتبارية والاستقلال المادي والإداري، كذلك دمج مكوِّنات القضاء في هيكل موحد وإخضاعها في إدارة شؤونها للمجلس الأعلى للقضاء، ووضع نهاية لمرحلة كان فيها كل مكوِّن (القضاء العادي، القضاء الإداري، الادعاء العام) مستقلًّا إداريًّا وماليًّا في إدارة شؤونه، مما أفرز في الواقع اختلافًا وعدم توازن في إدارة شؤون الجسد الواحد وأضحت إدارة القضاء تسير وفقًا لخطط غير متجانسة وغير متكافئة، وكانت من حسنات ذاك الدمج توافر فرص الاستفادة من الكوادر البشرية وتوزيعها بشكل أفضل وترشيد الصرف المالي بما يحقق أهداف الدولة في تعزيز الأداء الحكومي في كل مجالاته ورفع كفاءته، كما أن الدمج عزز ضمانات التقاضي في المنازعات الإدارية بفتح مجال الطعن أمام المحكمة العليا في الأحكام الاستئنافية الصادرة في الخصومات الإدارية، كما أن توحيد جهات التقاضي والادعاء العام في منظومة قضائية واحدة يؤدي إلى تسهيل إجراءات التقاضي أمام الباحثين عن العدالة، وشكل هذا التنظيم الجديد في شأن إدارة شؤون القضاء خطوة متقدمة في تعزيز استقلال القضاء، حيث اشتمل القانون تعزيز ضمانات مبدأ استقلال القضاء وتحديد اختصاصات المجلس واختصاصات نائب رئيسه، وجعل المجلس الأعلى للقضاء المسؤول وحده دون سواه عن متابعة الشؤون القضائية، وحصر تشكيل أعضاء المجلس في العائلة القضائية ومكوِّنات الجسم القضائي من قضاة وادعاء عام مع ميزانية مستقلة واحدة بما يحقق الاستقلال المالي والإداري مع إنشاء أمانة عامة للمجلس لتكون جهة إدارية واحدة تتولى الأمور المالية والإدارية للقضاء والادعاء العام ويقوم بوظائف الأمانة العامة موظفون إداريون وماليون متخصصون من أجل أن يتفرغ القضاة وأعضاء الادعاء الأم لأداء رسالتهم القضائية دون غيرها من الأعمال؛ لأنه من غير المناسب والمقبول أن يتولى القاضي إدارة المال والعمل الإداري وهو عديم الخبرة في هذين المجالين، ولما لذلك من تبعات قد تمس حياد القاضي ونزاهته وكرامة القضاء، كما أن من حسنات القانون (35/2022) جعل التفتيش القضائي في إدارة واحدة تحت إشراف ومتابعة نائب رئيس المجلس الأعلى للقضاء، الأمر الذي من شأنه تسهيل وتوحيد إجراءات حسن المراقبة على العمل القضائي وعلى مسلك أعضاء السُّلطة القضائية وتوحيد إجراءات التعيين والترقية والنقل والندب والإعارة للقضاة وأعضاء الادعاء العام، كما قدَّم الشيخ الدكتور يعقوب السعيدي شرحًا وافيًا عن النظام القضائي بين التوحيد والازدواجية والعيوب والمزايا لكل نظام، مبينًا أن القضاء الموحد هو جهاز قضائي واحد تختص فيه المحاكم بالفصل في كل المنازعات دون تمييز بين المسائل العادية والإدارية، ثم تخضع كافة المنازعات والدعاوى القضائية لجهة قضائية واحدة مهما كانت طبيعة تلك المنازعات، ويعتمد هذا النظام على فكرة المساواة دون امتيازات خاصة للأفراد والإدارات ويري اتجاه مدافع عن النظام الموحد أن القضاء الإداري هو وجْه من أوجه التسلط الذي ترتضيه السُّلطة التنفيذية وخروجًا عن المشروعية، أما عن النظام القضائي المزدوج فهو، كما أشار بذلك الدكتور، توزيع الاختصاص القضائي بحسب أطراف النزاع أو موضوعه أي استقلال القضايا والمحاكم الإدارية عضويًّا وموضوعيًّا، ويقوم هذا النظام على أساس وجود جهتين قضائيتين مستقلتين، جهة القضاء العادي وتختص بالفصل في المنازعات التي تنشأ بين الأفراد أو بينهم وبين الإدارة ويطبق القضاء على هذا النزاع أحكام القانون الخاص، بينما جهة القضاء الإداري تختص بالفصل في المنازعات التي تنشأ بين الأفراد والإدارة عندما تظهر الأخيرة بصفتها صاحبة السُّلطة وتتمتع بامتيازات لا يتمتع بها الأفراد ويطبق القضاء الإداري على المنازعة قواعد القانون العام.وفي إشارات من الدكتور السعدي أوضح أن الملاحظة العملية والواقعية للدول التي تبنت النظام القضائي المزدوج افتقد فيها ذلك النظام للفاعلية والفعالية التي يفترض أن تؤدي إلى عدالة ناجزة وأخفق في كفالة الحماية القضائية للمتقاضين حتى أصبح تجنب طريق المحاكم سمة بارزة في اختياراتهم التي أصبحت تميل إلى الوسائل البديلة لتسوية المنازعات كبديل عن الالتجاء إلى المحاكم، بينما تميل بعض الدول التي تتبنى النظام القضائي الموحد إلى استبعاد النزاعات الإدارية المختلفة من اختصاص المحاكم العادية ووضعها تحت اختصاص الوزراء أو اللجان الخاصة أو المحاكم الإدارية الخاصة مثل: النزاعات المتعلقة بالصناعة والتجارة وبراءات الاختراع والنقل والضمان الاجتماعي والصحة والتعليم (بريطانيا) ودول أخرى أصدرت العديد من القوانين التي تحدد مسؤولية الدولة، ووفقًا لتك القوانين قدمت التماسات وطلبات لتفويض السُّلطة القضائية إلى البرلمان للنظر في قضايا المسؤولية والعديد من اللجان الإدارية (الولايات المتحدة الأميركية)، وأما على مستوى سلطنة عمان فقد أكد الدكتور السعيدي أن وجود محاكم ابتدائية واستئناف إدارية لا تمنح الاستطاعة في القول بأن النظام القضائي العماني هو نظام مزدوج؛ لأن الأمر يتطلب جهازًا قضائيًا مستقّلًا تمامًا عن القضاء العادي بما في ذلك وجود محكمة عليا لمراقبة الأحكام الصادرة عن المحاكم الابتدائية والاستئنافية الإدارية من الناحية القانونية، وأن النظام القضائي كان نظامًا مزدوجًا يتكون من قضاء عادي وقضاء إداري والآن أصبح القضاء العماني موحدًا بما في ذلك بوجود محكمة عليا لمراقبة الأحكام الصادرة عن المحاكم الابتدائية والاستئنافية الإدارية من الناحية القانونية.