ثالثا: مدينة فاتنة تعوم مختالة في غابة بكر.بعد تحليق استمر ما يقارب الست ساعات انطلاقا من «دبي» في فضاء ليل بهيم أسلم فيه الركاب أنفسهم لنوم عميق مصحوب بأحلام مضطربة ورؤى متباينة تعكس طبيعة وخصائص وظروف وأوضاع كل واحد فيهم، وما يفكرون فيه ويتطلعون إليه ويأملونه... ومع ظهور أول ضوء باهت للشفق الفجري الأحمر، بدت عاصمة «رواندا» أخيرًا، أشبه بقبس أو شعلة أضاءت شمس حداثتها مناطق شرق إفريقيا، لتجعل من «كيجالي» مدينة عصرية تعوم مختالة في غابة بكر وطبيعة فاتنة. فالهدوء والصخب، البداءة والعصرنة، الأصالة والمعاصرة... تمتزج في قالب منسجم متجانس ومحبب للنفس، ويقدم رواندا كبلد سياحي نامٍ ومنافس ومثالي في هذه المنطقة من العالم، فيما تستمد المدينة من الأرياف والقرى والتجمعات القبلية في الغابات خصائص ثقافتها وتقاليدها وأعرافها وفنونها القديمة التي تخضع هي الأخرى لتحوُّلات وتطوُّرات يفرضها التقدم، فيما تبقي على جذورها وأصالتها ترمز إلى القِيَم والتاريخ والحياة الرواندية الموغلة في الماضي العريق... الحركة في المطار هادئة وسلسة، وعدد القادمين من المسافرين قليل في بلد يضع قدميه حديثًا في خريطة المشهد السياحي العالمي، فيما كانت الإجراءات سهلة وميسَّرة، فالمطار الجديد الذي يقدِّم «رواندا» في ثوبها الأنيق والعصري، لا يزال تحت الإنشاء لم يفتتح بعد. الفيلم الدرامي، «فندق رواندا»، الذي عرض في العام 2004م، وأخرجه «تيري جورج»، استندت روايته إلى أحداث وفواجع «الإبادة الجماعية»، ويوثق الجهود التي قامت بها «روساباجينا»، «لإنقاذ حياة أسرته وأكثر من ألف لاجئ آخر، بتوفير المأوى لهم في فندق HOTEL DES MILLE COLLINS» «. عندما أتيحت لي فرصة متابعته على شبكة «OSN» قبل سنوات، تبدَّت لي حقيقة الرعب ووحشية الإنسان تجاه أخيه، وكيف يتحوَّل الضخ الإعلامي إلى سلاح عرقي ومذهبي وطائفي، يعبث بمقدرات الأوطان ويبيد كل من يخالفه، فيصبح التعصب والإقصاء أدوات لاستئصال وإفناء ومحو المختلف، ساعتها لم أتخيل وأتوقع وأتطلع بأن يكون الموعد قريبًا لزيارة هذا البلد الإفريقي أو أن يتحقق ذلك في عصرنا. ولكن ها هي رواندا اليوم، ترحب بالقادمين إليها وقد تعافت من أسقامها الخبيثة وخرجت من آلامها وتشوهاتها بوجْهٍ صبوح وملامح تقدم، تبهر الزائر إلى أرضها ويتطلع الكثيرون إلى رؤيتها والتعرف على تجربة أخرى فريدة تستحق أن تدرس ويستفاد منها. ففي تقرير حديث نشرته «البي بي سي»، بعنوان «المدينة «الأكثر جاذبية وتنظيما» في إفريقيا»، أشار إلى تحوُّل «العاصمة الرواندية كيجالي خلال السنوات الـ25 الماضية، وخصوصًا آخر عشر سنوات، إلى المدينة الأكثر جاذبية وحفاوة في إفريقيا، وذلك لأسباب شتَّى، من بينها الدَّور الذي أدَّاه الرئيس بول كاجامي، وبفعل تبنِّي قوانين وسياسات جديدة، وأيضًا بفضل السكان الذين يعيشون في كيجالي بصورة أساسية»، ففي الثقافة الرواندية يصبح من الواجب على الفرد والأسرة الإسهام في خدمة وتنظيف الحي والشارع الذي يسكن فيه، والتعاون من أجل تحقيق مصلحة المجتمع وتعزيز الوعي العام. وتحتشد مواقع البحث في الإنترنت بالتقارير والمعلومات والأخبار الصحفية ومقاطع الفيديو التي تتحدث بإعجاب وإبهار عن النموذج الرواندي المتميز، ودعوة الدول المتعثرة إلى الاستفادة والتعلم من نهضة رواندا الحديثة، وفي تقرير صحفي بعنوان «من بلد غارق في الدماء إلى أكثر البلدان الإفريقية جذبًا للسياح والمستثمرين»، تحدث عن تمكُّن «رواندا خلال السنوات الأخيرة من جذب أنظار العالم إلى قصة نجاحها الرائدة التي بهرت الجميع وحوَّلتها إلى أسرع الاقتصادات نموًّا في القارة الإفريقية. بعد أن عصفت بها الحروب الأهلية والصراعات العرقية لسنوات»، ونجاحها «في النهوض من تحت أشلاء مئات الجثث» وتأسيسها «نظامًا مستقرًّا بوَّأها مرتبة متقدِّمة بين بلدان القارة السمراء، من حيث النمو الاقتصادي والتجاري واستقطابها الاستثمارات الأجنبية واستقبالها عددًا كبيرًا من السياح من مختلف الجنسيات. وتُعد «كيجالي» من المدن والعواصم التي نشأت حديثًا من رحم الطبيعة الإفريقية الساحرة، فقد تأسست في عام 1907 وأصبحت عاصمة لرواندا بعد الاستقلال فقط، أي في عام 1962م، وهي مركز البلاد السياسي والاقتصادي والثقافي، وكانت مسرحًا للمذبحة الرواندية. المناطق أو المخططات السكنية في كيجالي أشبه بالجزر المنفصلة، تعزلها عن بعضها الهضاب والمنحدرات الحادَّة والوهاد وأشجار الطبيعة الكثيفة، فالعاصمة في مجملها عبارة عن قسمين يشطر بينهما وادٍ زراعي خصب يجود بأفضل المنتجات، وهو ما يكشف عن إطلالات بانورامية خلابة، تقدم في مجملها معالم المدينة وخباياها وأسرارها وروح نهضتها الحديثة التي تمسح تدريجيًّا ركام المذابح والغدر وصور ومشاهد كئيبة، لتحل مكانها ملامح وقصص ومعانٍ إنسانية راقية وسامية تتماشى وتتناسب مع طبيعة وثقافة وخصائص الشعب الرواندي الحقيقية والذي لا تفارق الابتسامة محياه متبوعة بالخلق الرفيع والهدوء والتعامل المهذب الحسن، غابة المنازل الحديثة ذات اللون الأحمر المسقفة بـ»القرميد»، تذكرني بمُدن تركيا وأوروبا الشرقية، وتضع الزائر لرواندا أمام حقيقة الحركة العمرانية النشطة التي تشهدها البلاد، حيث لا تزال الكثير من المنشآت والمشاريع والعمارات والمناطق السكنية تحت البناء والتشييد، وتشي بمستقبل هو الأكثر تطورًا وازدهارًا. هؤلاء الروانديون الذين يمضون قُدمًا في مواصلة برنامج حياتهم اليومي وممارسة أعمالهم ـ خصوصًا كبار السن منهم ـ وهم يسيرون في الشوارع ويكدحون في المصانع ويزرعون الأرض ويبنون بلدهم في أعمال ووظائف ومسؤوليات مختلفة، ماذا في جعبتهم من الأسرار والتجارب يا ترى؟ ما المِحن التي مرَّت عليهم؟ كيف نجوا من الإبادة الجماعية؟ ماذا لو استوقفت كل واحد منهم وطرحت عليه أسئلة من هذا النوع الاستقصائي؟ هل لديهم الرغبة في السرد والحكي واستخراج ما في جعبتهم أم يفضلون نسيان وتجاوز ما مرَّ عليهم؟ كيف يفكرون في المستقبل؟ هل مطمئنون إلى قسوة الدرس وعمق التجربة وفداحة الخسائر وقدرتها على وقاية رواندا وشعبها من وحشية الإنسان؟ لا تزال الملامح والوجوه والأجساد هنا في رواندا، تحمل عبء الزلزال وألم فقد الأحبة وما حدث لهم من تطهير وتصفية وما زالت القبضة الأمنية مشددة في المراكز التجارية والمعالم السياحية ومؤسسات الدولة، فما حدث من مشاهد دموية عنيفة بين الأخوة في الإنسانية والدم والوطن المشترك والدِّين والتاريخ... لم تشهد الإنسانية له مثيلًا.. «يتبع». سعود بن علي الحارثي[email protected]