عادة ما تختلف تقييمات الأفراد للمكان أو التجربة ـ إن وجدت ـ عن تقييم شخص قريب منه ولكن ليس بالضرورة دائمًا! فإذا كنت تكره مثلًا حضور مناسبة ما، فمن المحتمل أن يفعل ذلك القريب ذلك أيضًا. ولكن في بعض الأحيان يمكن تفسير تصورات الأشخاص المختلفة عن مدينة ما أو مكان ما زاره أو عاشه بواحدة من أغرب المشاعر التي يمتلكها البشر وأكثرها قوة: ألا وهو الحنين إلى الماضي. هذا الوهج ـ إن استطعت أن أطلق عليه ـ من الذاكرة والعاطفة والرغبة يمكن أن يحرف تصوراتنا وأحكامنا، ويحوِّل حتى الألم إلى متعة أو حتى ذلك السمك الميت إلى أحلى عطر تشمه. وهذا يقينًا يعطينا قوة فريدة لهزيمة التعاسة.بطبيعة الحال، الحنين ذاك هو عاطفة اجتماعية ـ قد أقول ـ إنها حلوة ومُرَّة ولكنها إيجابية في الغالب. إنها تتطور من ذكريات سعيدة ممزوجة بالتوق إلى الماضي والعلاقات الوثيقة التي كانت لدينا في ذلك الوقت. في كثير من الأحيان، يتضمن الحنين منبهات حسية ـ على سبيل المثال ـ قد تثير رائحة طبق ما ـ يطبخ ـ أو عطر ما شوقًا شديدًا لمنزل طفولتك. والواقع أن علماء الأعصاب أدركوا أنها ظاهرة معرفية تشمل أجزاء كثيرة من الدماغ، بما في ذلك بعض الأجزاء المسؤولة عن الانعكاس الذاتي، وذاكرة السيرة الذاتية والتنظيم العاطفي.ومع ذلك، قد يقول البعض بأن الحنين إلى الماضي قد يكون مرتبطًا بالعواطف السلبية، إلَّا أنَّه وبشكلٍ ملموس لا يسبب التعاسة ولا يؤدي إلى تفاقمها. وهنا الأحق أن ندرك بأن الحنين هو رد فعل دفاعي للتعاسة، والذي يخفف من المزاج السلبي. فإثارة الحنين إلى الماضي في بعض الأحيان تعزز الروابط الاجتماعية لدى الناس، بل وتعزز مشاعرهم الإيجابية تجاه أنفسهم.طبعًا بغضِّ النظر عن كيفية عمل الحنين إلى الماضي، يجد العلم حتى الآن أكثر من دليل كافٍ لاستنتاج أنَّه مفيد لنا! وهنا ـ على سبيل المثال ـ فكِّر في ذكرى مكان وزمان محددين لتجد ذلك الإحساس بالدفء. ولعلَّ أحدنا أيضًا، قد يبدأ بالبحث عن صورة أو شيء يذكره بذلك المكان، ربما تكون صورة مخزنة على هاتفه أو صورة لنفسه عندما كان طفلًا جالسًا في حضن جدته.ألا نتذكر أنَّه عند اجتماع الزملاء ـ أكانوا زملاء دراسة أو عمل ـ وبعد مرور زمن ما، وخلال اجتماعهم كيف يشعرون بفرح شديد من رؤية زملائهم واسترجاع ذكرياتهم عن أوقاتهم القديمة معا. إنهم يضحكون على الذكريات الدنيوية، بل ويبدون متحمسين لسماع القصص البسيطة للأشياء العادية التي رأوها وفعلوها معًا. ختامًا، بلا شك أنَّ الذكريات السعيدة لها قوة وقائية ضد أي شيء محزن. لذلك أدرك الجميع بحقٍّ أنَّ الحنين عاطفة قوية، استحقَّت بشدَّة تلك المعاملة السحرية من الشعراء والكتاب. كيف ولا؟ وهو ذلك الماضي المخفي في مكان ما خارج العالم! وكأنك في يوم حار جدًّا، وتكون متكدرًا، وها هي رائحة العطر أو العود تجلب لك نفس القدر من السحر، فتذكرك بشيء ما فتبتسم... وكأنها آية! د. يوسف بن علي الملَّاطبيب ـ مبتكر وكاتب طبي[email protected]