عندما يكون خرق السفينة هو قمة المعروف، وقتل الغلام هو قمة الرحمة، وحبس كنز اليتيمين هو قمة الوفاء، فاصبر على ما لم تحط به خبرا..، هذا ما تعلمناه من القرآن الكريم، وتحديدا في صورة الكهف، عندما اتبع موسى عليه السلام العبد الصالح الخضر ليتعلم منه شريطة عدم السؤال عن الأفعال، فإذ به يشاهده يخرق السفينة التي تقلهم مع آخرين في عرض البحر، ويقتل الغلام دون ذنب اقترفه، وينقض جدار ويبنيه في قرية رفضت إطعامهما. وفي كل مرة يسأل النبي موسى الخضر إلى أن فسَّر له تصرفاته وأفعاله ليتبين للنبي أن الأفعال التي تتنافى مع دعوة النبوة والرسالة السماوية، ويلفظها المجتمع والبشر بصفة عامة، كانت خيرا للناس ورحمة بالبشر وحماية للحقوق، ولهذا قد يكون في تشريع الخروقات القانونية والعقلية ما ينفع الناس.لنا أمثلة كثيرة في التاريخ العربي والإسلامي تستدعي أن يكون لدينا من يخرق السفينة لينقذ أهلها، ففي مراحل ما زالت مستمرة لوقتنا الحاضر كان الطمع في ثرواتنا هو الهدف، سواء لشن الحروب العسكرية أو الاقتصادية أو الثقافية، وإن اختلفت الأدوات باختلاف الأزمان، ولنا في إحدى أعتى القوى الغاشمة في زمانها منذ ما يقرب الثمانية قرون والنصف مثال، وهم التتار وكيف نشروا في بلاد المسلمين الدمار والخراب، وكيف كانت حملات النهب العسكرية على بلاد المسلمين، وخصوصًا الممالك الغنية، وبعد نجاحها في اجتياح بعض الأراضي العربية حتى وصلوا إلى مقربة من الحدود الشرقية لمصر، وحينها وجد حاكم مصر في تلك المرحلة سيف الدين قطز وجوب صد الغزو التتاري، إلا أنه وجد جيشه ليس بالقوة الكافية لمواجهة هذه القوى الغاشمة ويعاني بعض الترهل ولا يمتلك قوات يصد بها الغزو التتاري، ولا يمتلك المال لتسليح الجيش وتحصين حدود البلاد، فقرر الاعتماد على المقدرات الذاتية للبلاد فلم يجد خيرا من رجال الدين ليسألهم عن مخرج شرعي لتوفير المال، فكان الرد هو الحصول على المال ممن يمتلكونه أولا، وإن لم يكن كافيا يتم فرض ضرائب يستطيع تحمُّلها الشعب، دون التفريط في مغانم البلاد فأباحوا له أخذ أموال الأمراء والمماليك لإعداد الجيش وتوفير العتاد لقتال التتار. وبالفعل أخذ بالأسباب وبرأي العلماء فتحقق له ما أراد وانتصر في معركة عين جالوت الشهيرة عام 1260م وحمى البلاد والشرق كله من تقدم التتار دون أن يطلب العون من قوى خارجية أو يزيد كاهل الشعب بالضرائب.وهنا درس يبدأ باستفهام لماذا يكون السؤال لعلماء الدين في مثل هذه الأمور؟ والإجابة القطعية؛ لأنهم يتمتعون بالعِلم الديني وبالمصداقية التي يتقبلها عامة الناس، فتعطي آراؤهم تشريعا للتصرف أو أي إجراء فيه خرق للقانون أو العرف يكون مطالبا بتقديم المبررات والدوافع وشرح المزايا والمكاسب من وراء فعلته. وعلى سبيل المثال لا الحصر، أيضا فإن بعض علماء الدين يمكنهم ان يبيحوا بعض المحظورات التي تتعارض منطقيا مع الدين أو القانون مثل زراعة بعض المحاصيل المخدرة كالأفيون وما شابهه لعلاج بعض الأمراض. وخلاصة التاريخ أن الأمم لا تُبنى إلا بالاعتماد على الذات، ولا تكتسب الدول القوة إلا من مجهود وعزيمة شعوبها، وسداد رأي أئمة وعلماء الأُمَّة الذين يشكِّلون بطانة لكل رأي سديد. وإذا كان ليس منا الخضر العبد الصالح الذي رافقه النبي موسى عليه السلام، فلدينا أمثاله من علماء دين يخافون الله ويأمرون بكتابه الكريم وسنَّة نبيه العظيم، ودرر مكنونة قادرة على إفراز البصيرة يشكِّلون خرقا مباحا كخرق السفينة لمداواة الضعف الذي تعانيه الأُمَّة الإسلامية، وهؤلاء العلماء لم يخلُ منهم العالم الإسلامي ـ وعلى سبيل المثال لا الحصر ـ الشيوخ: العز بن عبدالسلام، الشعراوي، الغزالي وشيخنا الجليل أحمد بن حمد الخليلي والقائمة طويلة، لأئمَّة كانوا وما زالوا منابر حق للأُمَّة الإسلامية. جودة مرسي[email protected]من أسرة تحرير «الوطن»