أعزائي القراء.. نستأنف باقي حلقات هذ الموضوع .. وقوله: (هو الله أحد) هو جملة اسمية، تفيد ثبات الحكم، ودوامه، وسرمديته، وأزليته، وهي ذات خبر متعدد، فالضمير(هو) مبتدأ، يعود على الله ـ جلّ في علاه ـ واسم الجلالة: (الله) خبره الأول، و(أحد) خبره الثاني، فهو من قبيل تعدد الخبر، أو يمكن إعراب الضمير (هو) مبتدأ أولَ، واسم الجلالة:(الله) مبتدأ ثانيًا، و(أحد) خبرَ المبتدأ الثاني، وتكون الجملة الاسمية خبرًا للمبتدأ الأول: (الله)، وأيًّا مَّا كان التوجيه الإعرابي فهو يَصُبُّ في صالح، ومعنى، ودلالة التوحيد، وفي بيان البناء العقدي الصحيح للمسلم في اعتقاده بربه، وإيمانه بصفات مولاه، أو (هو أحد) هي الخبر، وجملة (هو الله أحد) ارتبطت بفعلها (فعل القول) ارتباطًا عضويًّا تامًّا؛ حيث إنها مقول القول، والقول ومقوله أشدُّ ما يكون التماسك بينهما؛ لأنهما كالشيء الواحد: تماسكًا، وتداخلًا، وتلاحمًا، وترابطًا، وارتباط المبتدأ بالخبر هو ارتباطُ الجسمِ بالروح، والعينِ بالرأس، واللبِّ بالجسد، أي: أن الارتباط بينهما لا فكاك عنه، ولا بد منه، وهو من قواعد علم الوقف والابتداء، حيث نصُّ أهل الأداء على أنه:(لا يوقف على القول دون المقول)، فالقول في افتقار إلى فعله، وفعله في ودٍّ، والتزام معه، وعند النحاة تمثل الجملة المفعولَ به، وهو ركن ركين من أركانها، وتسمِّيه مقول القول، ويكون في محل نصب، فترى مدى تماسك أركانها الثلاثة.واسم الجلالة: (الله) بوزن: (الْعَال)، أصله (الإلاه) بوزن: (الفِعَال)، وحُذِفت همزته لكثرة الاستعمال؛ تماشيًا مع القاعدة الأصولية:(كثرة الاستعمال تجيز الحذف)، والهمزة في مقابلة فاء الميزان، وهذا الاسم الكريم فيه من الأعاجيب الكثير، منها: أنك مهما حذفت منه أي حرف بقي على دلالته، فإن حذفت الألف ـ مثلًا ـ صارت (لله) شبه جملة، أي (له) ـ جلَّ جلاله ـ وإنْ حذفت اللام الأولى صارت:(له) أي لله أيضا، وإنْ حذفت اللام الثانية صارت ضمير الهاء، أي (هو)، وهو ـ أي الاسم الكريم ـ كذلك مُعْجِزٌ في نطقه، حيث يبدأ بالألف، وعندها تتحول بصوتها في النطق، لا في الكتابة، كأنها همزة تخرج من الحنجرة، أي اعتراف من أول أعضاء النطق، وهي الهمزة الحنجرية، وتأتي اللام خارجة من جوانب الفم؛ إقرارًا، واعترافًا به عز وجل، والألف بعد اللام الثانية هي ألف جوفية، أي تخرج من أعماق الجوف؛ اعترافًا، وإيمانًا، وإذعانًا، وافتخارًا، ثم تنتهي بالهاء اللهوية التي تملأ الفم بصوتها الحاني، وتعود إلى الحنجرة واللهاة مرة ثانية، فتبدأ من أول الأعضاء نطقًا، ثم من الجوف، وعمقه، ثم من جوانب الفم، ثم من اللهاة؛ لتعود إلى الحنجرة ثانيةً في إقرار تام، واعتراف كامل بدلالتها، وجمال معناها، وسمو مبناها، فالحروف كلها إيمانٌ، وإخباتٌ، وإقرار من العبد وحُسْن التفات، واعتراف، وإثبات، يدعو إلى الثبات.د.جمال عبدالعزيز أحمد كلية دار العلوم ـ جامعة القاهرة - جمهورية مصر العربية[email protected]