لحقت بزميلي متأخرًا، كنت متّفقًا معهما أن نصلي معا صلاة الفجر في مسجد (بير تينقاش) ـ كما يعرفه سكان المنطقة ـ وهو مسجد صغير يقع في السهل جنوب غرب صحلنوت في مطلع وادي عربوت، فوجدتهما في انتظاري فانطلقنا في تمام الساعة السابعة صباحًا، كنّا متفقين مسبقًا أن يكون خط سيرنا من مطلع الوادي إلى عين نار، وهي عين ماء قديمة تقع إلى الجنوب من قيرون حيرتي في الجبل الأوسط.كان الجو باردًا نسبيًا والرياح الشتوية تهب من جهة الشمال فتحرك الأشجار والنباتات وتدفع الطيور والكائنات أن تأوي إلى أماكنها في المغارات والكهوف وجحور الأشجار على اتساع الوادي، كنت مستمتعًا بنفحات الجو الباردة التي لم تكن قارسة، ليست هذه المرة الأولى لي التي أسير في وادي عربوت؛ فهو من الأماكن المحببة التي سلكتها مرارًا صعودًا وهبوطًا، ويعتبر الوادي معلمًا بيئيًا وسياحيًا في محافظة ظفار وارتبط في السنوات الأخيرة بموسم خطلة الإبل في موسم الصرب (الربيع)، يتميز الوادي باتساع وجمال ساحاته التي تجذب إليها رعاة الإبل في المواسم المختلفة وتسلكها الجمال والدواب يوم كانت هي الوسيلة الوحيدة لنقل المؤونة والأمتعة بين صلالة والجبل ولا يزال الوادي محمية طبيعية لا تدخله السيارات، فحافظ على جماله وتفرده كمنتزه طبيعي لهواة المشي الجبلي (الهايكنج) لسهولة السير فيه وجماله وتنوع الحياة الطبيعية من حيوانات نادرة وطيور متنوعة ونباتات كثيرة.تابعنا سيرنا في الوادي وكنا نتوقف بين اللحظة والأخرى للتأمل أو التصوير والاستماع إلى شرح مفصل ومشوق من زميلنا سهيل سعيد تبوك (قعش) الذي يتمتع بذاكرة حادة وسرد مشوق وربط الأحداث والحكايات والقصص ببعضها، فهو بحق من أكثر الناس الذين رافقتهم قدرة على استدعاء السوالف والحكايات التي تتعلق بالأمكنة في ظفار، حيث جاب محافظة ظفار شرقًا وغربًا بمختلف المناطق الجبلية والنجدية، ويتسابق زملاؤه ومحبوه إلى اصطحابه في رحلاتهم ومغامراتهم، ويدعمه بقوة الذاكرة الدكتور سعيد علي تبوك الذي أحظى برفقته في أغلب رحلات المشي الجبلي الذي نمارسه بشغف أسبوعيًا من خلال برنامج يتيح لنا التعرف على العيون المائية والمعالم الطبيعية والتاريخية، ويربطنا بذاكرة الأمكنة التي تحيي بداخلنا حب الطبيعة والحفاظ عليها تقديرا لما تمنحنا بسخاء من فوائد صحية ونفسية وروحية.اقتربنا من ساحة تتميز بوجود أشجار سدر معمرة، كانت الأشجار متعانقة الأغصان ومتقاربة الجذوع تشكل عريشا يصد الشمس والرياح، وتظهر جذوعها وسيقانها تقدمها في العمر، علمت من الزميلين أن اسم المكان يدعى (أدام) واسم بستان السدر يسمى (حمكور) وللإشارة بروز وتجعدات سيقان اشجاره. ويؤكد كبار السن بالمنطقة بأن تلك الغابة قديمة جدًّا، وكان الناس في الماضي يتوافدون إليها لجمع ثمار (الدوم) النبق في موسم جني وحصاد هذه الثمار لمدة ثلاثة شهور ما بين رحيل الشتاء ونهاية الصيف، فيأكلون ويتفياؤون ظلال هذه الأشجار.ويتذكر الزميلان أن عقلاء وحكماء المنطقة شرعوا عُرفًا يتوارثه المستفيدون من هذه الغابة المثمرة، للحفاظ على أشجارها، فيحظرون قطع أغصانها، واستخدام العصي في خبط ثمارها حتى لا يلحق الضرر بثمارها التي لم تنضج بعد، وتجنب اشعال النيران قريبا من جذورها خوفًا من التهام النيران لها. ويلتزم جميع السكان بهذا العرف الذي صان الطبيعة وحافظ على الحياة الفطرية فيها. تأملت في شجرة سدر عملاقة، وخالجني شعور بأنها معمرة جدا وعندما سألت الزميل سهيل قعش عن تقدير عمرها ذكر بأن عمرها على الأرجح أكثر من أربعمائة عام. ويستند في رأيه إلى ما سمع من كبار السن الذين يتوارثون حكايات الأمكنة في المنطقة. أدركت أن بستان السدر الذي ننعم بالمشي فيه والأكل من ثماره، هو متحف طبيعي متاح كغيره من الأمكنة الجميلة في ظفار، وهو جدير بالرعاية والحماية والتصدي لكل أشكال الأذى التي تزحف على بيئتنا الجميلة.د ـ أحمد بن علي المعشني رئيس أكاديمية النجاح للتنمية البشرية