تُمثِّل العلاقة بين التاريخ والفن متلازمة يصعب الفكاك منها والخروج من ترابطاتها المتداخلة، فكلاهما يخدم الآخر بل ويؤثر فيه، فكثير من معرفتنا بأحداث التاريخ هو في الواقع فن قد يكون على هيئة منحوتة أو رسومات تُمثِّل تاريخ تلك الحقبة أو المنطقة من العالم، وما الأهرامات ـ التي هي أصلا منحوتات فنية ـ إلا مثال صارخ على العلاقة ما بين الفن والتاريخ. وكثير من معرفتنا للتاريخ ينبع من هذا المجال، وفي المقابل يقدم التاريخ خدمة لهذه الفنون بأن يظهر أهميتها، سواء للعامة أو الخاصة، فيظهر التمازج الجميل بين ما يقدمه الفنان وما يسعى المؤرخ لاستنطاقه من هذه الفنون الجميلة على مختلف الصعد.
كما أن الاثنين (التاريخ والفن) عند امتزاجهما وتداخلهما يتكاملان معا ليصنعا مجالا آخر وهو المجال السياحي، فالسائح مهما اختلفت أهدافه ومآربه لا بُدَّ أن يلتفت لهذين العنصرين الأساسين، وفي غالب الحالات لا يمكنه الفكاك من التصاقهما معًا، فلا بُدَّ للسائح عند زيارة مدينة معيَّنة أن يزور متحفًا يُمثِّل تاريخ تلك المدينة حيث يمتزج هنا التاريخ مع الفن في غالب الوقت، كما أن التجوُّل في أي مدينة لا بُدَّ من وجود منحوتات ورسومات تُمثِّل أحداثا تاريخية لتلك المدينة وأشخاصا أثروا في تاريخها بصورة خاصة، كما أن البحث في أي مدينة عن مواقع سياحية هو في الغالب بحث عن تاريخها في الأساس، حيث تبرز في العادة ما يميزها عن بقية المدن بغية إظهار تفردها وجذب السائح لزيارتها؛ لكون هذا التميز يجعل منها ثيمة صعبة التكرار.
والفن هنا ليس مجرَّد منحوتات أو رسومات؛ فحتى مواقع تصوير الأفلام الفنية هي تاريخ ومعلم فني في نفس الوقت. وأتذكر مثلا الموقع السياحي المشهور في جزيرة بوكيت التايلاندية والذي تم فيه تصوير أحد أفلام (جيمس بوند) والذي يُعد واحدا من أبرز المعالم التي لا بُدَّ للسائح لهذه الجزيرة أن يعرج إليه بل وصل الأمر إلى أن أحد أهداف السائح زيارة هذا المَعْلَم، وليس الهدف ما تتميز به هذه الجزيرة من معالم سياحية أخرى لات قل أهميَّة عن هذا الموقع، وهنا تأكيد آخر على أن امتزاج التاريخ بالفن يدعم المجال السياحي أينما كانت الرؤية واضحة والاستراتيجية السياحية لها أهداف محددة ومدروسة، والأمثلة كثيرة ومتعددة.
إن إقامة مخيم للنحاتين في ولاية صحار في نسخته العاشرة لهو نموذج حي وواقعي على الالتقاء التاريخي الفني في ولاية عريقة كولاية صحار التي تزخر بتاريخ وماضٍ عريق يمكن الاتكاء عليه والانطلاق من مكنوناته الأساسية؛ ليكون حاضرا في مدلولات المنحوتات التي أبدعها ويبدعها النحاتون المشاركون في المخيم.
لا شك أن وجود مجموعة من النحاتين من دول مختلفة واستمرار المخيم ليصل إلى نسخته العاشرة لهو دليل واقعي على مدى النجاح الذي أحرزه ويحرزه هذا المخيم الذي بلا شك يُعد واحدا من المخيمات المهمة على خريطة النحت العالمي، فوجود نحاتين حازت أعمالهم على جوائز إقليمية ودولية يُمثِّل بلا شك أيقونة مهمة لدعم المجال السياحي في سلطنة عمان، فإلى جانب مشاركة هؤلاء النحاتين من دول العالم المختلفة واطلاعهم على مكنونات السياحة العُمانية، وخصوصًا الطبيعية منها، فإن الأعمال المنتجة والتي تستلهم الطبيعة العُمانية هو هدف جوهري يسعى له المخيم إدراكا من القائمين على تنظيمه أهميَّة دعم الجانب السياحي والتعريف بالسلطنة كوجهة سياحية مهمة.
إن إقامة هذا المخيم في جو مفتوح وفي أحد أودية سلطنة عمان لهو لفتة جميلة تسهم ـ بلا شك ـ في الدعم الذي يقدِّمه هذا المخيم لما يعرف بسياحة الطبيعة، وهي في النهاية دمج رائع بين الفن والتاريخ وتكاملهما مع الجغرافيا الطبيعية في سيمفونية نادرة يصعب تكرارها. تحية تقدير وعرفان لهؤلاء الفنانين الذين يعملون بدأب كبير لخدمة الفن العُماني بصورة عامة وفن النحت بصورة خاصة، وتقديمه للعالم ليكون سفيرا للهُويِّة العُمانية وداعما رئيسيا للتعريف بسلطنة عُمان في مختلف المحافل.



د. خصيب بن عبدالله القريني
[email protected]