باتصال هاتفي، أو وجها لوجه، أو عبر موظف آخر بين الرئيس والمرؤوس تصدر الأوامر غير المكتوبة أو ما يطلق عليه بالأوامر الشفوية أو الشفهية، وبصيغ وأشكال وتعبيرات عديدة ومختلفة منها (خلاص مَشُّوه أو لا تمَشُّوه، عطوه أو لا تعطوه)، وغير ذلك من صيغ الأوامر غير المكتوبة.
الإشكال ليس في الأمر غير المكتوب بحدِّ ذاته، بل بتبعات ذلك الأمر، بالمشاكل المختلفة التي تحدثها الأوامر غير المكتوبة في كثير من الأوقات بعد فترة من إصدارها، خصوصا في حال رفع شكاوى أو تظلمات أو حدوث خلافات أو نزاعات أو حالات تزوير أو غير ذلك حول المواضيع أو الطلبات التي تم فيها الأمر الشفوي، ووصولها إلى المحاكم وما قد ينتج عن ذلك من تبعات وآثار قانونية.
المخاوف التي يدور حولها هذا الطرح تحدث حين ينفي الرئيس إصدار الأمر الشفهي بسبب النسيان أو الإنكار المقصود خوفا من العقوبة أو التنصل من المسؤولية، الخوف من الذمم والنفوس التي تتبرأ من تبعات الأمر غير المكتوب عندما (يقع الفأس على الرأس). وكم سمعنا عن قضايا يشيب لها الرأس عن ردود الأفعال المخجلة التي تتبرأ من التبعات بقولها (محد أمره، وين الدليل أني أصدرت الأمر الشفوي، والله ما أذكر، ما ممكن أني أنا أصدر هذا النوع من الأوامر...إلخ).
وما بين المسؤول المتسلط الذي يتبع كثيرا هذا الأسلوب ويغضب حين يمتعض المرؤوس من هذا النوع من الأوامر بسبب عدم وضوحها أو نتيجة تجاهل الرئيس الأساليب المعاصرة لإصدار الأوامر في ظل التقنيات الحديثة والتحويل الإلكتروني، المسؤول المتعسف الذي يرسل رسائل متواصلة بتهديدات مبطنة للمرؤوس الذي يناقش أوامره بتأثر تقريره السنوي أو تحويله للجنة تحقيق، وما بين تلك المخاوف النفسية والقانونية التي تتسبب بها تلك الأوامر بعد حين من إصدارها نتيجة ما سبق ذكره في الفقرة الثالثة من هذا الطرح.
على ضوء ذلك: ومما لا شك فيه أن أي إخلال بواجب الطاعة في المجال الوظيفي بين الرئيس والمرؤوس، وهو مبدأ مستقر في معظم التشريعات القانونية سيؤثر على انتظام سير عمل المرفق العام مما يؤثر بدوره سلبا على المصلحة العامة، في المقابل فإن تلك الطاعة ليست مطلقة أو غير مشروطة، بل هي مقيدة بقوانين وأنظمة وتعليمات تهدف إلى تحقيق ذات المصلحة العامة واحترام الحريات والحقوق المجتمعية من جهة (1 )، كما تحفظ حقوق المرؤوس أو متلقِّي الأمر على وجه الخصوص من جانب آخر، تحديدا عند وقوع المشاكل.
إذًا ما بين ضرورة تنفيذ الأوامر غير المكتوبة للرؤساء وفق الأنظمة وفي حدود القانون وهي أوامر معترف بها في الفقه والقضاء(2 ) وأهمية أن تكون تلك الأوامر قانونية بشكل تام، يواجه الموظف المرؤوس أو متلقِّي الأوامر العديد من الإشكاليات النفسية والتحدِّيات الإدارية والقانونية حيال تنفيذ تلك الأوامر غير المكتوبة الصادرة من الرؤساء بمختلف مناصبهم، خصوصا تلك التي تدخل في شبهة فساد إداري أو جريمة في حق المجتمع أو مخالفة أو لسبب أو لآخر. ونحن هنا لا نتحدث عن خيالات أو احتمالات، بل قضايا واقعة تعج بها المحاكم بمختلف درجاتها في العديد من دول العالم.
عالجت العديد من التشريعات مثل هذا النوع من الأساليب المعمول بها في الوظيفة الإدارية، فليس من المعقول أن يقوم الرئيس بكتابة كل أوامره وفي كل حين أو مكان وفي مختلف الظروف، في ذات الوقت من غير المقبول قانونا ولا أخلاقا التعامل بالأوامر غير المكتوبة أو ما يطلق عليها بالأوامر الشفوية أو الشفهية وتوجيهها دون ضوابط أو نظام واضح يحمي المرؤوس من نسيان الرئيس أو إنكاره للأمر غير المكتوب بعد حين (3 ). ولو قامت الجهات المعنية بتقصِّي وجهة نظر الموظفين العاملين في المؤسسات العامة عن وجهة نظرهم حيال هذا النوع من الأوامر بكل حياد وشفافية والمشاكل التي يعانون منها مع رؤسائهم، وعدم رضاهم عن أسلوب تلقِّيها وغموضها وعدم قانونية أكثرها وقلة وعي الرؤساء حيال توجيهها لإعادة النظر فيها بشكل تام، كما أن حتمية استخدامها في العمل لا يعني الاعتماد الكلِّي عليها أو حتى التعامل الدائم بها، فمع التغير والتحوُّل الإلكتروني باتت هناك أساليب إدارية غاية في الجودة والحماية القانونية يمكن اعتمادها في التعامل مع الأوامر بين الرؤساء والمرؤوسين، وبذلك نحمي جميع الأطراف من أي تجاوزات أو مخالفات، كما أنه يمكن بهذا الأسلوب حماية المال العام من الفساد الذي يمكن حصوله جرَّاء هذا النوع من الأوامر غير المكتوبة.
كل الأمنيات وعلى المستوى الوطني أن نسمع غدًا توجُّهات رسمية من الجهات ذات الاختصاص وفي ظل التحوُّل الإلكتروني بإلغاء أو تقليص الأوامر غير المكتوبة إلا في حدود الضرورة القصوى، أن يتدخل جهاز الرقابة الإدارية والمالية للدولة والأجهزة القائمة على حماية المال العام بخصوص التعدِّيات والتجاوزات التي تستخدم فيها الأوامر غير المكتوبة، خصوصا تلك التي تدخل فيما يمكن أن يسمى بشبهة فساد أو جرائم ومخالفات في حق المجتمع وما أكثر أشكالها وأساليبها، وأكثرها هو تضارب المصالح والمحاباة عبر الموافقات والأوامر غير المكتوبة والتي لا يعرف أصحابها بعد حين ويقع في محظوراتها المرؤوسون. عليه يمكن طرح المعالجات الآتية على سبيل المثال لا الحصر:
• أهمية توعية الرؤساء والمرؤوسين بالقوانين والأنظمة المتبعة عبر المحاضرات والدورات التدريبية حيال الكيفية الواجب اتباعها لتنفيذ التعليمات والأوامر غير المكتوبة. والطرق والآليات المتبعة في حال وجود شبهة مخالفة وما على المرؤوس حينها وكيف يجب أن يبين لرئيسه كتابة وجه تلك المخالفة ولا يلتزم بتنفيذ تلك الأوامر إلا إذا أكدها رئيسه كتابة وعندئذ يكون الرئيس هو المسؤول عنها(4 )
• ضرورة التحوُّل الإلكتروني واعتماده كأسلوب حديث لتمرير الأوامر بمختلف أشكالها بهدف تقليص الأوامر الشفوية، أما في حالة الاضطرار وهو أمر وارد جدا، فيجب أن يتم اعتماد آلية قانونية تحمي المرؤوس من أي آثار أو تبعات قد تنتج عن الأوامر غير المكتوبة نتيجة النسيان أو الإنكار...إلخ.
• تفعيل دور الأجهزة الرقابية المختصة بشكل أكثر شمولية وقوة عبر إمكانية الإيقاف المباشر للمعاملات اليومية القائمة على الأوامر غير المكتوبة في حال الاشتباه بوجود مخالفات أو شبهة فساد أو جريمة في حق المجتمع حتى يتم التأكد من قانونيتها.
ــــــــــــــــــــــ
مراجع
1 ـ - راجع قرار رقم ٧ / ٢٠١٩ مجلس الخدمة المدنية: مدونة قواعد السلوك الوظيفي للموظفين المدنيين في وحدات الجهاز الإداري للدولة، الفصل الثاني الواجبات العامة، البند رقم 6/ج، راجع كذلك المرسوم السلطاني رقم 120/2004 بإصدار قانون الخدمة المدنية، الفصل 12، المادة رقم 103/ د الخاصة بواجبات الموظفين والاعمال المحظورة عليهم
2 ـ - راجع قرار رقم ٧ / ٢٠١٩، المرجع السابق، الفصل الثالث واجبات الموظف تجاه مسؤوليه البند رقم 1، راجع أيضا: قانون العاملين المدنيين في الدولة رقم 47/ 1978 المصري، المادة 76 الفقرة الثامنة
3 ـ - «يعفى الموظف من العقوبة إذا ثبت أن ارتكابه المخالفة كان تنفيذا لأمر مكتوب صدر إليه من رئيسه بالرغم من تنبيهه كتابة إلى المخالفة وفي هذه الحالة تكون المسؤولية على مصدر الأمر وحده» المصدر المرسوم السلطاني رقم 120/2004 بإصدار قانون الخدمة المدنية، المادة 106
4 ـ - راجع القرار رقم ٧ / ٢٠١٩، المرجع السابق، الفصل الثاني الواجبات العامة البند رقم 3، راجع أيضا: قانون العاملين المدنيين في الدولة رقم 47/ 1978 المصري، المادة 78 والإعفاء في البند الثاني من ذات المادة السابقة



محمد بن سعيد الفطيسي
باحث في الشؤون السياسية والعلاقات الدولية
رئيس تحرير مجلة السياسي – المعهد العربي للبحوث والدراسات الاستراتيجية
[email protected]
MSHD999 @