الله سبحانه وتعالى يمنُ على عباده جميعا من واسع فضله وجميل عطاءه وإتمام رزقه وعموم ستره ومزيد عفوه، فما من مخلوق إلا وسعته رحمة الله تعالى.فالله سبحانه وتعالى قد شمل بعطفه جميع عباده مسلمهم وكافرهم ذكورهم وإناثهم كبيرهم وصغيرهم صالحهم وفاسدهم، فقد كرم سبحانه الجميع.وقد جاءت تعليمات رسولنا الكريم محمد (صلى الله عليه وسلم) تؤكد على العدل بين الناس جميعا وخاصة حرمة الدماء، والأموال، والأعراض.. وما إلى ذلك، ففي خطبة الوداع التي أكد فيها رسول الله (صلى الله عليه وسلم) على الحقوق الواجبة للإنسان على أخيه الإنسان، حين قال (صلى الله عليه وسلم): (.. فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا إِلَى يَوْمِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ)، ثم منَّ الله على عباده بأن يعرفوه ويؤمنوا به، حتى لا ينشغل المؤمن عن عبادة ربه أمره سبحانه بأن يستمر على طاعته وهو سبحانه يتولى رزقه وشئونه.ومن هنا ينبغي على المؤمن أن يشغل نفسه بعباده ربه ولا ينشغل بسواه، فهو سبحانه قد خلقه وتولاه، وتكفل برزقه ومحياه، ولهذا وجب على المؤمن أن لا تأخذه ملهيات الدنيا عن ذكر ربه، وعملًا بهذا الأمر الإلهي ينبغي علينا أن ننشغل بالله تعالى عمن سواه، وأن نغفل عن ذكره وشكره، وقد كانَ من دعاء رسول الله (صلى الله عليه وسلم):(اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بكَ مِنَ العَجْزِ، وَالْكَسَلِ، وَالْجُبْنِ، وَالْبُخْلِ، وَالْهَرَمِ، وَعَذَابِ، القَبْرِ اللَّهُمَّ آتِ نَفْسِي تَقْوَاهَا، وَزَكِّهَا أَنْتَ خَيْرُ مَن زَكَّاهَا، أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلَاهَا، اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بكَ مِن عِلْمٍ لا يَنْفَعُ، وَمِنْ قَلْبٍ لا يَخْشَعُ، وَمِنْ نَفْسٍ لا تَشْبَعُ، وَمِنْ دَعْوَةٍ لا يُسْتَجَابُ لَهَا).وقد فطن صحابة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لذلك، فقد (روى عن ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا حكام عن أبي سنان قال: سأل عمر بن الخطاب عن أبي عبيدة فقيل: إنه يلبس الغليظ من الثياب، ويأكل أخشن الطعام، فبعث إليه بألف دينار، وقال للرسول: انظر ما يصنع بها إذا هو أخذها؟ فما لبث أن لبس اللين من الثياب، وأكل أطيب الطعام، فجاءه الرسول فأخبره، فقال رحمه الله تعالى تأول هذه الآية “لِيُنفِق ذُو سَعةٍ من سعتِهِ ومن قُدِرَ عليه رِزقُهُ فليُنفِق مِمّا آتاهُ اللهُ”) (تفسير ابن كثير، ط: العلمية 8/ 175).ومن الأمثلة عن الثبات والقوة والمنعة وسد الذرائع التي يدخل منها الشيطان، ما رواه البيهقي في (دلائل النبوة محققًا 2/ 389):(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عليه وآله وَسَلَّمَ “لَمَّا أُسْرِيَ بِي مَرَّتْ بِي رَائِحَةٌ طَيِّبَةٌ، فَقُلْتُ: مَا هَذِهِ الرَّائِحَةُ؟ قَالُوا: مَاشِطَةُ ابْنَةِ فِرْعَوْنَ وَأَوْلَادُهَا سَقَطَ مُشْطُهَا مِنْ يَدِهَا، فَقَالَتْ: بِسْمِ اللهِ: فَقَالَتْ بِنْتُ فِرْعَوْنَ أَبِي، قَالَتْ رَبِّي وَرَبُّكِ وَرَبُّ أَبِيكِ، قَالَتْ: أَوَ لَكِ رَبٌّ غَيْرُ أَبِي؟ قَالَتْ: نَعَمْ، رَبِّي وَرَبُّكِ وَرَبُّ أَبِيكِ: اللهُ، قَالَ: فَدَعَاهَا، فَقَالَ: أَلَكِ رَبٌّ غَيْرِي؟ قالت: نعم ربي وربك اللهُ، قَالَ: فَأَمَرَ بِبَقَرَةٍ مِنْ نُحَاسٍ فَأُحْمِيَتْ، ثُمَّ أَمَرَ بِهَا لَتُلْقَى فِيهَا، قَالَتْ إِنَّ لِي إِلَيْكَ حَاجَةً، قَالَ: مَا هِيَ؟ قَالَتْ: تَجْمَعْ عِظَامِي وَعِظَامَ وَلَدِي فِي مَوْضِعٍ، قَالَ: ذَاكَ لَكِ لِمَا لَكِ عَلَيْنَا مِنَ الْحَقِّ، قَالَ فَأَمَرَتْهُمْ فَأُلْقُوا وَاحِدًا وَاحِدًا حَتَّى بَلَغَ رَضِيعًا فِيهِمْ، فَقَالَ: قَعِي يَا أُمَّهْ وَلَا تَقَاعَسِي فَإِنَّا عَلَى الْحَقِّ).. والأمثلة على ذلك كثيرة. فانشغل يا أخي بربد وبعبادته فقد شملك بعنايته. محمود عدلي الشريف [email protected]