من نافل القول بأن ما يجري على الجبهة الأوكرانية الروسية له علاقة مباشرة ليس فقط بالصراع بين روسيا والولايات المتحدة على الاستحواذ بالقرار الأُممي ومحاولات واشنطن إدامة سيطرة القطب الواحد، بل له علاقة أيضًا بالصراع على الطاقة ومصادرها، ومحاولات الولايات المتحدة إبعاد الأوروبيين عن سوق الطاقة الروسية (النفط والغاز) وبالتالي محاصرة روسيا اقتصاديًّا، وتسويق نفطها الصخري، مع أن أثمانه مُرتفعة قياسًا للنفط والغاز الروسي. لذلك تُعدُّ الطاقة عاملًا مهمًّا في الصراعات الدائرة في أكثر من منطقة بالعالم، وصولًا لما يجري على الجبهة الروسية الأوكرانية.
أيضًا، تُعدُّ الطاقة عنصرًا مركزيًّا في العلاقات الخليجية والعربية عمومًا مع جمهورية الصين الشعبية، بما في ذلك إيران، وهو ما تبيَّن جليًّا من خلال زيارة الرئيس الصيني (شي جي بينج) الأخيرة للمملكة العربية السعودية، والاهتمام الصيني بتطوير العلاقات المشتركة مع عموم دول الخليج، ومع طهران، حيث تُعدُّ جمهورية الصين الشعبية بلدًا فقيرًا بالطاقة (الغاز والنفط)، ولا يوجد سوى كميات متواضعة منه غرب الصين في إقليم (شيانج/منطقة الإيغور)، وفي الوقت نفسه بلدًا مستهلكًا للطاقة بواقع يفوق 15 مليون برميل يوميًّا من النفط الأحفوري، تستورد منه نحو 11 مليون برميل من دول الخليج، وكذا الحال بالنسبة للغاز الطبيعي.
ووفق المعطيات المنشورة، ومنذ عام 2019 أصبحت السعودية أكبر مُصدِّر للنفط إلى الصين الشعبية من بين دول المنطقة تليها إيران، وبطاقة إجمالية بلغت نحو 1.8 مليون برميل في اليوم، كما باتت الصين الشعبية أحد أكبر مستوردي الغاز المسال القطري. فالصين باتت المستورد الأول للطاقة في العالم، وثاني أكبر مستهلك لها بعد الولايات المتحدة. ويتوقع بحلول العام 2026 أن تستهلك نحو 16 مليون برميل نفط يوميًّا معظمها سيأتي من منطقة الخليج. وبحلول عام 2040 يُتوقع أن تستهلك الصين نحو 620 مليار متر مكعب من الغاز سنويًّا.
وانطلاقًا من الوارد أعلاه، فإن كميات ضخمة من نفط وغاز منطقة الخليج، يتوقع أن تتجه نحو آسيا (الصين الشعبية + الهند + الباكستان +...). وهذا لا يعني أن الغرب الأوروبي توقَّفَ عن أن يكون مستوردًا للطاقة من منطقة الخليج. بالرغم من ميل العديد دول الاتحاد الأوروبي، وخصوصًا قبل اشتعال الجبهة الروسية الأوكرانية، نحو الاعتماد على الطاقة الروسية بعد انتهاء الحرب الباردة، وذلك لأسعارها المنخفضة، ومن خلال إنشاء جملة من المشاريع الخاصة بنقل النفط والغاز، منها: خط أنابيب “يامال” (المار بروسيا البيضاء إلى بولندا)، وخط نورد ستريم 1 (عبر البلطيق)، وخط “الأخوة” (عبر أوكرانيا)، وخط السيل الجنوبي الذي تحوَّل لاحقًا إلى السيل التركي، وخط نورد ستريم 2.
إن كل ما سبق، يلخِّص حقيقة ما يجري من صراعات في مناطق مختلفة من العالم، للاستحواذ على منابع النفط، أو على الأقل على مصادر أقل تكلفة، مع ربط كل تلك الصراعات بالملفات السياسية الدولية الشائكة، ومنها الحرب الروسية الأوكرانية، والصراع الصيني الأميركي في ميادين التجارة والاستثمارات، والصناعات المتطورة ومنها الرقائق الإلكترونية.


علي بدوان
كاتب فلسطيني
عضو اتحاد الكتاب العرب
دمشق ـ اليرموك
[email protected]