تُولي جمهورية الصين الشعبية اهتمامًا كبيرًا بطريقة اختيار المشاريع التجارية والاستثمارية مع الآخرين على امتداد قوس المعمورة؛ لتحقيق وضعٍ مُربح ومفيد للجانبين (الآخرين) وللمصالح طويلة المدى بينهما. إلى جانب، الأخذ بعين الاعتبار القدرات الشاملة لأسواق الدول المعنية بالمشاريع، للحكم على جدواها، وهو ما ظهر واضحًا في الزيارة الأخيرة للرئيس الصيني (شي جي بينج) للمملكة العربية السعودية وسلسلة اجتماعات العمل التي تمَّت.فقد وقَّعت الصين عددًا من الاتفاقيات المتبادلة، واستكملتها مع العديد من البلدان المتعاونة معها في المشاريع، كاتفاقيات ثنائية لحماية الاستثمار، وقدّمت ضمانات حكومية لقروض المشاريع الاستثمارية؛ لتجنب الخسائر الناجمة عن النفقات الإدارية المُفرطة والتي تقع بها بعض الدول في ظل مظاهر الفساد المستشرية في العالم بشكلٍ عام، وحالة الترهل التي تعانيها العديد من اقتصاديات دول المعمورة بما فيها الدول الكبرى.ومن المؤكد، أن الصين الشعبية، التي يعيش فوق أرضها نحو مليار وثمانمائة مليون نسمة، حريصة وتلتزم بتعزيز التعاون مع المؤسسات المالية الدولية، والبحث عن فرص للاستثمار المشترك، ومكافحة آفة الفساد عند عرض المشاريع مع الأطراف الدولية. فالفساد آفة لا تحتملها الصين الشعبية ذات التعداد العالي من السكان، ولا تحتملها أي جهة استثمارية حين تنتشر تلك الآفة، وتطيح بالحصاد الإيجابي المرجو من المشاريع الاستثمارية المشتركة. لذلك تعمل بكين، أيضًا، وفي مشاريعها الاستثمارية الخارجية، ومنها المشاريع المشتركة في العديد من دول القارة الإفريقية، تعمل على تهدئة أي مشاكل قد تقع خصوصًا لجهة مكافحة آفة الفساد، وحل مشاكل النقص النقدي من العملات الصعبة التي تمتلك الصين الشعبية الرصيد الأول لها في العالم (دولار أميركي، جنيه إسترليني، الين الياباني، والودائع الذهبية)، ومخاطر الاستثمار العجول غير المنتج، أو الاستثمار المتواضع في حصاده، وحتى لا تكون مشاريع خاسرة. وهنا علينا، أن ندقق، بما شدَّدَ عليه المؤتمر العشرون للحزب الحاكم في الصين، الذي انتهت أعماله قبل نحو شهرٍ مضى، على ضرورة استعادة الصين الشعبية لدورها التاريخي كقائدة سياسية واقتصادية وثقافية على سطح المعمورة، بالتوازي مع توسيعها وجودها الدولي والتجاري كصاحبة ثاني اقتصاد في العالم، ولا سيما عبر رافعتها الرئيسية “مبادرة الحزام والطريق” (طريق الحرير)، لتشييد موانئ ومرافق بنية أساسية متعدِّدة في إفريقيا وآسيا عبر البلدان العربية التي ستستفيد منها على افتراض نجاح خطوات إقامتها. كما أن ما يجري بين بكين وواشنطن من صراع تحت الرماد المُشتعل، يعود بنا إلى الحرب الباردة التي امتدت من العام 1945 إلى العام 1990، في وقتٍ انتهت فيه تلك الحرب ولم يعُدْ لها من نصير أو مُساند. لذلك فإن قوس التصعيد الأميركي الممتد، مع بكين، لن يستطيع أن يعيد الأمور للوراء. فالسلوك الأميركي أشبه بالشهقات الأخيرة في سياق مخاض تحطيم نظام القطبية الأحادية وبناء نظام عالمي دولي مُتعدد الأقطاب، يتم فيه اشتقاق سياسات أممية عادلة، مع إصلاح الأمم المتحدة، بما في ذلك توسيع العضوية الدائمة في مجلس الأمن لتضم إلى جانب الدول الخمس الكبرى كلًّا من: الهند، والبرازيل، ومصر، وجنوب إفريقيا. علي بدوانكاتب فلسطينيعضو اتحاد الكتاب العربدمشق ـ اليرموك[email protected]