مشهد قتل المواطنتين العُمانيتين الأولى في السابع من ديسمبر لعام 2022، والأخرى في الثاني عشر من الشهر نفسه، والوقت الزمني القياسي بين الحادثتين، أصاب المجتمع العُماني بحالة من الدهشة والذهول وصعوبة تصديق أن هذا الأمر يحصل في مجتمع سلطنة عُمان الذي يتعايش أفراده في ظلال السلام والوئام والحوار والتسامح، وبات مؤشرا يدق ناقوس الخطر، في تجاوز للفطرة السليمة، وسقوط في وحْلِ القُبح والنذالة، وانحراف في السلوك، وتضييع للأخلاق، وانتهاك للحرمات، وانتزاع للإنسانية، وغياب للنخوة، وانتحار للإرادة، وانحراف عن النهج، وتجاوز سافر لكل المبادئ والأعراف والعلاقات الاجتماعية، لتضع المجتمع العُماني أمام منعطف جرمي خطير، وسلوك شائن يتجافى مع كل القِيَم والأعراف والأخلاقيات الإنسانية الراقية، وبالتالي ما إذا كان حدوث هذه الجرائم في ظل متغيري الزمان والنوع الاجتماعي عودة بالوعي المجتمعي إلى الوراء، وانتكاسة في فهم الأدوار والمسؤوليات والحقوق والواجبات والالتزامات والمشتركات، في ظل غياب مؤسسات التأثير الرسمي والاجتماعي ونمو حالة الحيرة والإحباطات والأفكار السلبية والمشتتات الذهنية والمشوهات المعرفية والمعلبات الفكرية التي تحمل بين سطورها مساحات الكراهية والفردانية والسلطوية والسادية والوصاية ومصادرة الفكر وعقم التفكير.ومع عدم الخوض في أسباب ومسببات هاتين الحادثتين تحديدا، وترك الأمر للعدالة والقضاء ليأخذ مجراه في ذلك، إلا أن ما يطرحه انتشار جرائم القتل في صُوَر مختلفة في ظلِّ المعطيات والمسوِّغات والمستجدَّات التي باتت تفرضها الظروف الاقتصادية والمتغيرات الاجتماعية ودور التقنية والمنصَّات الاجتماعية، والظواهر الفكرية والنَّفسية التي باتت تنتشر في المجتمع العُماني بصورة سريعة، واستساغة البعض سلوك التهور والاستفزاز والإيذاء الجسدي وتصفية الحسابات والثأر والخيانة والاستدراج والابتزاز والتحايل، يمكن القول بأنها أحد معطيات هذه الأفكار العدوانية؛ ذلك أن هذه الجرائم لا تأتي من فراغ بل كونها سلوكا وقتيا مندفعا خارج الفطرة السليمة وحدود الإنسانية وتخالف مقبول العقل والنقل، يقف وراءها الكثير من التراكمات والحسابات التي باتت تثير في الجاني هذا السلوك الإجرامي، والحالة الهستيرية التي تصاحبه في الانتقام من ضحيته، وبالتالي قراءة هذ التداعيات الأمنية التي يتوقع تأثيرها على المجتمع جرَّاء هذه الإجراءات الاقتصادية أو ما يتعلق منها بالحالة الزواجية والعادات الخارجة عن المألوف، خصوصا في ارتفاع المهور وغيرها من التفاصيل الدقيقة في هذا الجانب، وانتشار المشكلات الاجتماعية بين الزوجين، خصوصا ما يتعلق منها بالطلاق ورعاية الأسرة وكفالة الأبناء بعد الطلاق، وهو أمر بات يعكس حالة التصدع والانكسار الذي وصلت إليه العلاقات الأسرية والاجتماعية، والسوس الذي ينخر قِيَم المجتمع وأخلاقيات الإنسان، والسقوط والتردي الأخلاقي، وانعدام الذوق والرُّقي الفكري، وغياب الحسِّ الأمني، والفراغ الروحي والديني والعاطفي الذي بات يقذف في حياة الناس قسوة القلب وفضاضة النفس، وغلظة السلوك، وعقوق الوالدين، وقطيعة الرحم، يؤسس اليوم إلى مرحلة أكثر جدية ومهنية ومصداقية في الوقوف على التفاصيل الدقية لهذه الجرائم، والمبررات والمسوِّغات التي قد يضعها الجاني مبررا لمجرَّد التفكير في القتل، بحيث تُشكِّل هذه التفاصيل الدقيقة والتراكمات الاجتماعية والأُسرية والعائلية والخلافات أو غيرها نقطة انطلاقة لضبط المسار وتصحيحه، وإعادة توجيه بوصلة الأمان بما يحفظ حق الإنسان رجلا كان أم امرأة في العيش والحياة في مجتمعه بسلام وأمن واستقرار، وفي ظلِّ تشريعات ضمنت له هذا الاستحقاق وجوبا.على أن مؤشرات الجرائم والجناة في سلطنة عُمان تعطي صورة أكثر وضوحا واستيعابا لهذا الواقع وحجم التباينات الحاصلة فيه، حيث تشير إحصائيات المركز الوطني للإحصاء والمعلومات لعام 2021 إلى أن عدد الجرائم المسجلة في عام 2020 بلغت (11.312) جريمة، وتشير الإحصائيات إلى أن الفئة العمرية (18-39) سنة هي الفئات الأكثر في عدد الجناة حيث شكَّلت ما نسبته (73%) من إجمالي الجناة، وأن نسبة الأحداث الذين تقل أعمارهم عن 18 سنة، بلغت (2.3%). وقد بلغ عدد الجناة في عام 2020 (16.672) حيث شكَّل العُمانيون ما نسبته (48%)، بواقع (8.062) منهم 92% ذكور بينما شكَّل عدد الإناث 8%. ومن حيث تصنيف الجرائم فإن الجرائم الواقعة على الأموال هي أكثر الجرائم ارتكابا في عام 2020 م حيث بلغ عددها (3.422) جريمة. تليها الجرائم الواقعة على الأفراد (2.476) جريمة، حيث أشارت الإحصائيات إلى أن مرتكبي “الجرائم الواقعة على الأفراد” هم عُمانيون بواقع (812)، وحصول الجرائم الواقعة على الأفراد على المرتبة الثانية في تصنيف الجرائم يشير بوضوح إلى هذه الصورة القاتمة التي باتت جرائم القتل تعكس جزءا من تفاصيلها الداخلية، على الرغم من أنه لم يُشَر إلى هذه الجرائم بشكلٍ صريح ومباشر، ولكن يمكن استقراؤها من خلال “جرائم أخرى”، والتي حصلت على ما نسبته (18%)، حيث جاء ترتيب الجرائم في هذا التصنيف كالآتي: الإيذاء البسيط كانت أكثر الجرائم ارتكابا تحت هذا التصنيف، حيث بلغ عددها (817) جريمة، بما نسبته (33%)، تليها إهانة الكرامة (26%) ثم أخرى (18%) ثم التهديد والوعيد (13%)، وأخيرا انتهاك حرمة المساكن (10%)، فإن هذه الإحصائيات تحمل في أسطرها الكثير من الدلالات والمؤشرات الجرمية والأمنية وتأثيرها على النسق الاجتماعي والاستقرار الأسري، في ظل وحشيتها وآلية تنفيذها والفئة التي تستهدفها، والأدوات التي يستخدمها القاتل أو الجاني مرتكب الجريمة، والأساليب التي يستدرج فيها ضحيته ويستخدمها في تنفيذ جريمته، وأصبحت تُشكِّل رقما صعبا، يفوق في قبحه وخطره غيرها من الجرائم الأخرى، لما فيه من إنهاء الحياة، وإزهاق الأرواح، وتلطخ الأيدي القذرة بدماء الأبرياء والمستضعفين من النساء والأطفال والكبار والعجزة والأيتام، وما يتبعها من سلوك الانتقام والتهديد والكراهيات والأحقاد وتصفية الحسابات، لتضعها في قائمة الجرائم المهدِّدة للأمن الوطني والسِّلم الاجتماعي.من هنا تؤسس جرائم القتل في مجتمع السلطنة إلى مراجعات جادَّة وسريعة وعاجلة جدًّا تقف بحزم وحسم ومهنية على هذا الأمر وتسترجع وتعيد قراءة كل الأسباب والمعطيات التي ارتبطت بجرائم القتل في سلطنة عُمان في العقدين الأخيرين، والتفاصيل التي باتت تصنع وتهيج وتثير مثل هذه الممارسات الرعناء والسلوك البهيمي الوحشي، وإعادة نسج خيوط الجريمة وربطها بمختلف المواقف والمسببات والتراكمات للوصول إلى مسار يحفظ حياة الإنسان ويمنع أي سبب مهما كان نوعه من أن يتحكم في حياة الجاني ليكون مبررا لجريمته وفعلته، ولأن المؤسسات القضائية والقانونية والأمنية ذات صلة بهذه القضايا، وهي أدرى بأدقِّ تفاصيلها لذلك كان عليها اليوم أن تقرأ هذه التفاصيل من واقع حالات الإجرام والمرافعات والشكاوى والأحكام التي تتم في هذا الشأن، والظروف الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والفكرية والنفسية ومفهوم سلطة القرار الذكوري وحرية التعبير والدعم المقدم للأسرة العُمانية في تجاوز مسببات القتل أو غيره من الإيذاء أو الاعتداء أو الانتقام أو التهديد، مراجعة تصنع القوة لتثبيت الحقوق وضمان حق الإنسان (المرأة) في العيش الآمن الكريم، بما يضمن إنتاج التشريعات والأحكام الضامنة لحلحلة هذه القضايا الجرمية ومعرفة أسبابها والدخول في عمق تفاصيلها، وتفعيل البرامج والخطط المؤسسية في استباقية وقوعها أو الحدس بها والفراسة بتوقعها في قادم الوقت، في إطار من الشمولية والتكامل، والتأثير والعمق، والاحتواء والواقعية، هذا الأمر يأخذ في الحسبان مراجعة وتصحيح أو تعديل القوانين والأحكام والنصوص المرتبطة بالحياة الزوجية والقوامة والنفقة والطلاق والخلع أو إقرار قوانين وتشريعات أخرى تضمن توفير الحماية للإنسان عامة والمرأة والطفل خاصة، وتطويع القوانين والأنظمة واللوائح في سبيل منع وكبح جماح الممارسات العرفية والسلطوية الذكورية التي باتت تقرأ في الحياة الأسرية والزوجية نوعا من الوصاية على الآخر، والتصرف في إرادته، والتزام الطاعة المطلقة له، وسلب مفهوم الحرية منه في التصرف والمشاركة في القرار بل والحياة والاختيار والرغبات والمشاعر.أخيرا، فإن جرائم القتل الأُسري مهما تعددت أوصافها أو تنوعت أسبابها، ممارسة وحشية، وجريمة قذرة، باتت تشوه صورة الشخصية العُمانية في تسامحها وسلامها وهُويتها وأصالتها، خصوصا أن الجاني فيها مواطن، والمجني عليه مواطن، لذلك تضع المنظومات القضائية والقانونية والتشريعية والاجتماعية والأمنية والتعليمية وغيرها أمام مسؤولية أخلاقية وإنسانية ووطنية جسيمة، عليها أن تتداركها قبل فوات الأوان، وتضبط هذا المسار قبل انفلاته واستفحال أمره، حتى لا نفجع بمغدورات أُخَر كَتَيْنَك المغدورتين ـ رحمهما الله ـ. د.رجب بن علي العويسي[email protected]