تُعدُّ زيارة الرئيس الصيني (شي جي بينج) للمملكة العربية السعودية، بين 7 ــــ 9 كانون الأول/ديسمبر 2022 الجاري، زيارة عمل استثنائية، وناجحة بكل المقاييس، وتُعبِّر أيضًا عن تزايد مساحات التلاقي العربية بشكلٍ عام مع جمهورية الصين الشعبية، حين شارك خلالها عدد من الدول العربية في القمة الصينية ـ الخليجية، حيث القمَّة الصينية ـ العربية الأولى، التي جمعت الرئيس (شي جي بينج) بقادة دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية الست إضافة إلى مصر والأردن والعراق، فضلًا عن القمَّة التي جمعته بالعاهل السعودي، ووقَّع خلال الزيارة عددًا كبيرًا من الاتفاقات الثنائية، بلغت رقمًا قياسيًّا قارب نحو ثلاثين مليار دولار. وتناولت تلك الاتفاقيات عدَّة مجالات، تتعلق بالطاقة وأنظمة وتكنولوجيا المعلوماتية...إلخ.الملاحظ هنا الآتي:أولًا: إن زيارة الرئيس الصيني (شي جي بينج) للمملكة العربية السعودية جاءت بعد انعقاد مؤتمر الحزب في الصين، وتجديد شرعية الرئيس لدورة رئاسية جديدة، فقد بات الزعيم الصيني القوي بعد عقود من رحيل المُصلح ورجل الانفتاح (دنج سياو بينج).ثانيًا: نالت تلك الزيارة الاهتمام الكبير ليس من قبل المملكة العربية السعودية فقط، بل من قبل المراقبين والمحللين السياسيين، وكتَّاب المقالات والتحليلات السياسية في المطبوعات العالمية المرموقة، وقد حدا البعض للمقارنة بينها وبين زيارة الرئيس الأميركي (جو بايدن) والتي تمت في تموز/ يوليو 2022.ثالثًا: الانفتاح المتبادل لإحياء مشروع “طريق الحزام”، أو سابقًا (طريق الحرير). وما سيجلبه من فوائد للصين وعدد من الدول العربية. رابعًا: إن العلاقات الصينية العربية عمومًا، علاقات تاريخية، تستمد جذورها من عمق الجغرافيا والعلاقات التجارية، حيث وصل المسلمون إلى الصين قبل نحو 800 عام، وكانوا جسر عبور لتطور تلك العلاقات، التي تكرَّست عبر القرون، وبالعقود الأخيرة من خلال مواقف الصين الشعبية من القضايا العربية، وفي القلب منها قضية فلسطين، حين كانت الصين أول دولة خارج العالم العربي تعترف بمنظمة التحرير الفلسطينية عام تأسيسها 1964.خامسًا: لا تهمنا الأيديولوجية، في هذا المقام، بل إن كل ما يهمنا كعرب وكمسلمين، توطيد العلاقات النفعية المتبادلة مع الصين الشعبية، التي تمتلك ثاني أكبر اقتصاد في العالم بعد الولايات المتحدة الأميركية، وتستعد للقفز بخطواتٍ كبيرة تؤهلها لتبوؤ المركز الأول على صعيد الاقتصاد والتجارة والاستثمارات على امتداد المعمورة.وبالنتيجة، إن العلاقات العربية الصينية تطورت تطوُّرًا كبيرًا خلال العقدين الأخيرين، إذ تجاوز حجم المبادلات التجارية بين الصين والدول العربية عام 2021 ما قيمته 300 مليار دولار، وفق آخر المعطيات المنشورة، بما في ذلك مشتريات الصين من النفط والغاز من دول الخليج والمنطقة عمومًا كإيران، فالصين الشعبية أكبر مستورد للطاقة في العالم نتيجة نموها الصناعي والاقتصادي الكبير في السنوات التي تلت انضمامها إلى منظمة التجارة الدولية عام 2001.وعلينا هنا أن نلاحظ الطموح الصيني وفوائده المشتركة مع الدول العربية، بشأن مبادرة طريق الحزام الصينية، هي ذاتها طريق الحرير، التي ربطت بين شرق آسيا وعموم دولها مرورًا بالدول العربية الأسيوية وصولًا إلى قلب القارة الأوربية. فالدول العربية، سيكون لها مكان بارز في مبادرة “الحزام والطريق” الصينية، التي يُقدَّر أن تستثمر الصين فيها أكثر من تريليون دولار. علي بدوانكاتب فلسطينيعضو اتحاد الكتاب العربدمشق ـ اليرموك[email protected]