من دون انتقاص من أهمية كتاب إدوارد سعيد (الاستشراق)، ومن جدله الحيوي ونتائجه الباهرة، يمكن للمرء أن يؤشر عددًا من العوامل الاستثنائية التي جعلت من هذا الكتاب الومضة التي أوقدت مرجل الاهتمام بالاستشراق وبنقده في الغرب والشرق على حد سواء. واحد من العوامل المساعدة المهمة يتمثل في خبو بريق الموضوعات الساخنة التي كانت سائدة قبلئذٍ: فقد سئم الجمهور الحوارات غير المجدية حول اليسار واليمين، كما ملَّ بعضه الآخر من «لا جدوى كامو» و«عبثية سارتر»، ناهيك عن طلب فريق ثالث «اللجوء السياسي» أو «الإنساني» في كتابات التراث والإسلاميات المحدّثة والمعصرنة على أيدي كتَّاب من أمثال المرحومين سيد قطب ومحمد باقر الصدر.وقد شهدت الساحة الثقافية العربية «نهضة استشراقية» لم تزل آثارها جلية للعيان حتى الآن. وهي أشبه ما تكون باليقظة أو النهضة الاستشراقية التي أحسن ريمون شوا (Schwab) في بحثها ووصفها، والتي تجايلت (في الغرب) مع بدايات العصر الذهبي لحركة الاستعمار الأوروبي قبيل عصر الثورة الصناعية وإبانها. لقد كانت لهذه اليقظة في الاهتمام بالشرق أسبابًا ودوافع عدَّة كما درسها شوا في كتابه النهضة الشرقية (Oriental Renaissance)، حيث ألقى الضوء على تعطش الفكر الغربي لإيجاد مرجعيات ومصادر أو منابع حضارية أخرى، سوى المنابع الإغريقية والرومانية للحضارة والثقافة الغربية، خصوصًا بعد أن أخذ ارتياد الشرق شكلًا من أشكال الاستكشاف (استكشاف الذات من خلال “الآخر”) جاعلًا من كل باحث غربي في الشرقيات “كولومبوسًا” ثقافيًّا يعيد اكتشاف قارات العالم القديم والأمم الشرقية النائية.لذا، يمكن القول هنا بأن يقظة الاهتمام بالاستشراق في الثقافة العربية جاءت نتيجة لمسببات تختلف عن مسببات تلك النهضة التي حدثت في أوروبا وأميركا حينذاك. وهي في حقيقتها، إذا ما شئنا أن نكون أكثر دقة، يقظة في الاهتمام بنقد الاستشراق وليست بالاستشراق لذاته بالمعنى المجرد. وتكمن دوافع هذه اليقظة القوية في الشعور القومي الملحاح بالتراجع وبصعوبة اللحاق بركب الغرب وتجسير البون بين مسيرتنا ومسيرته الحضارية والثقافية. لقد كان هذا الأمر واحدًا من أهم الهواجس الدائمة لحركة النهضة العربية، بينما كان التركيز على الاستشراق، ونقده بخاصة، واحدًا من أوجه الوعي العربي بالآخر الأكثر قوة وتوثبًا إلى نحو الشرق العربي الإسلامي من أجل فرض الهيمنة عليه ضمن منظومة اقتصادية سياسية كونية تجعل من الشرق وأقطاره كينونات وظيفية تستكمل الشكل الهرمي للعالم الذي تتسنمه الإرادة الغربية: المادية، الإمبراطورية المتنافرة مع تطلعاتنا.إن الهدف الكامن وراء مداخلتي أعلاه يتجسد في أن قفزة الاستشراق إلى الأمام هنا قد جرفت معها مضار عديدة، برغم أهميتها بوصفها استجابة ثقافية لقضية التنافس/ الحوار مع الثقافات الغربية بعامة. لقد صار الحديث عن الاستشراق وكَيْل التُّهم ضده موضوعًا مبتذلًا إلى حدٍّ بعيد؛ نظرًا لأن الجميع يريد أن يجرب حظه في الكتابة أو الحديث عنه، دون امتلاك الأدوات الضرورية والتعمق الكافي الذي يؤهله لمباشرة هذا الموضوع الشائك. لقد صار الحديث عن الاستشراق أشبه ما يكون بما ابتليت به حركة التحليل النفسي التي أطلقها سيجموند فرويد (Freud)، إذ تُركت أساسات نظرية فرويد، وحلَّ محلَّها التشبث ببعض المصطلحات الفرويدية واليونجية لاستعراض معرفة الكاتب غير المتعمقة بالموضوع. وكذا الحال مع الاستشراق حيث أرسيت بعض الأطر والمصطلحات، وأتيحت في المقالات والمقابلات والحوارات اليومية بدرجة أن كل من يريد أن يبدو مطلعًا يمكن أن يتشبث بها بيسر. إن فورة الاستشراق ستخبو يومًا، وتتراجع “كتقليعة” ثقافية ليبقى هذا الموضوع الحيوي والمهم حقلًا للمتخصصين المتسلحين بالأدوات وأساليب التفكير وأدوات البحث الناجعة في هذا المضمار. هذا التكهن، كما أعتقد، يوازي ما حدث للموضوعات التي سادت، ساخنة، في العقود الماضية ثم خبت كما تمت الإشارة إليها آنفًا. هذا المتوقع يُمثِّل الحالة الصحيحة والصحية المطلوبة على سبيل تجنب بعض الطارئين القادرين إساءة التمثيل وليّ الحقائق.إنه لمن المفيد، في زحمة الخلط والاختلاط أعلاه، أن يباشر العقل الشرقي، العربي الإسلامي بخاصة، طرائق تعامل الاستشراق بتنوعاته وتشعباته، مع الشرق وبضمن الوضع الدولي الراهن الذي قد يستقي جذوره من آراء أهم مشكِّلي الرأي العام عبر العصر الذهبي للكولونياليات الأوروبية. لذا وجدت من المناسب أن أخصص شيئًا من الجهد لرصد وتحليل عدد من نتاجات ما يسمى بـ”الاستشراق”، بمعنى آراء قادة الرأي في القرن التاسع عشر هؤلاء الذين لم يتناولوا الشرق كــ”صنعة”، كما قال بنجامين دزرائيلي (وعدد هؤلاء كبير للغاية)، وإنما هؤلاء الذين كانت دراساتهم للشرق تخضع لدوافع وإرهاصات فكرية بحتة، بغضِّ النظر عن وقوع كتابات بعضهم في «دائرة سحر» الاستشراق المحترف. أ.د. محمد الدعميكاتب وباحث أكاديمي عراقي