أتذكر جيدًا مزرعة نموذجية كانت مقامة في منطقة البليد، يعمل فيها خبير بريطاني وزوجته، كنا نعرفه بالكابتن سهيل، كان الرجل جَلِدًا، مدمنًا للعمل، كنا نراه عند ذهابنا إلى المدرسة وعند عودتنا من المدرسة السعيدية. كان يقود سيارة تجر محراثًا يحرث التربة. انقضت سنوات ولم نرَ أثرًا لتلك المزرعة، ثم علمت لاحقًا أن هناك مزرعة نموذجية في منطقة قيرون حيرتي بالجبل، أمرُّ بين وقت وآخر على تلك المزرعة التي لم تكبر أشجارها ولم نأكل منها ثمرًا ولا نغرس منها شتلة، ولم تقدم جديدًا للزراعة في مناطق الجبل.
ومنذ سنوات صرت أسمع كثيرًا عن حشد الخبراء الذين يعملون بمزارع نموذجية أخرى بالمحافظة، بما تتوافر لديهم من موارد وتكنولوجيا ومعدات وبذور وكوادر بشرية لكن تلك المزارع بقيت محدودة ولم تقدم منافع تذكر. كان هذا ما يدور في عقلي وأنا أتجول في مزرعة أحمد بن سعيد الكثيري في مركز جحنين، كان المكان مزرعة مطرية تعود لوالده وأجداده كما أخبرني، لكن أحمد الذي يُعرف بأبي صقر، اكتشف عشقه للزراعة الذي دفعه إلى الدراسة الذاتية وإجراء التجارب الزراعية، وقاده شغفه إلى القيام بمحاولات كثيرة لإيجاد بيئة تصلح لزراعة جميع أنواع فاكهة العالم من الصين حتى أميركا، وقلب المعادلة عندما استطاع بجهوده الفردية أن يزرع أنواع الفاكهة الاستوائية مع فاكهة المناخ المتوسطي والمناخ البارد، وذلك بتوفير عناية خاصة تتمثل في الاستفادة من أوراق الشجر اليابسة وخلطها مع التربة ومع السماد العضوي بالإضافة إلى السردين، فإذا به يوجد سمادًا، يغذي كل أنواع الفاكهة التي تقدر بـ(700) نوع من جميع أنواع الفاكهة، لفت نظري أن شجرة جوز الهند في مزرعة أحمد تضم نوعًا من ظفار ونوعًا من الفلبين ومن الهند ومن غيرها، واستطاعت كلها أن تنبت وتكبر وتثمر معًا، وكذلك أنواع التين، وأنواع الليمون والبرتقال والجوافة وغيرها. رأيت أشجارًا لم أرها ولم أسمع عنها من قبل، كلها أشجار فاكهة ذات روائح زكية وثمار حلوة ويانعة.
صارت مزرعة أحمد مزارًا للمهتمين والباحثين والمسؤولين والمستثمرين من داخل السلطنة ومن خارجها، وهذا ما دفع أحمد إلى إضافة مشتل يضم جميع أنواع الأشجار التي زرعها طيلة اثنين وعشرين عامًا. انتصر أحمد على ظروف الطقس والمناخ وهزم الخوف من شح الموارد، وقام بكل تلك الأعباء على نفقته الخاصة، يزوره المسؤولون ويتجولون في أنحاء المزرعة، ثم يشيدون بجهوده ويعدونه بالدعم والمساعدة دون أن يحصل منهم على أي شيء. أحمد الكثيري ليس مزارعًا عاديًّا وليس تاجرًا وليس معجبًا بذاته وبنجاحه، ولكنه يحمل رسالة إلى جميع أبناء محافظة ظفار بقدرة الإنسان على العمل والإنتاج وإيجاد الموارد وتغيير الظروف القاسية إلى فرص واعدة للنجاح والتميز.
تقاعد أحمد من عمله بوزارة الإعلام، وتفرغ تمامًا لمزرعته التي يتجول فيها ويقضي فيها وقته، ويزرعها وينظفها ويتعهد أشجارها ونباتاتها بكل تفانٍ واقتدار، رافقني أحمد في أنحاء المزرعة وهو يشرح لي عمر كل شجرة ومصدرها وثمارها ويقطف لي من أوراقها ومن ثمارها ما يجعلني ألاحظ الحميمية التي يتعامل بها أحمد مع أرضه وأشجاره، ما أجمل العلاقة التي تنشأ بين الإنسان والطبيعة والوقت وتحويل ذلك إلى منتج إبداعي.
د. أحمد بن علي المعشني ✱
رئيس أكاديمية النجاح للتنمية البشرية