رابعا: مشاهدات من مدن تايلندية.
يبلغ طول الطريق من بانكوك إلى منطقة “هواهين” ٢٠٠ كيلومتر، أخذت منَّا بالسيارة حوالي ساعتين في مسار يغوص بَيْنَ الأشجار والغابات واللون الأخضر، وتطل علينا تباعا مزارع الأرز المغمورة بالمياه، والجداول والبحيرات التي تسقي بساتين الفاكهة بأنواعها. تقع “هواهين” في محافظة “براتشواب خيري خان”، وهي حديثة، تأسست على يد “مجموعة من المزارعين الذين انتقلوا إليها في عام ١٨٣٤م، وأحبها الملك راما السابع، فشيد فيها قصرا فخما، وتتميز بالشواطئ الخلابة والهدوء وتنتشر فيها الفنادق والمنتجعات الفخمة والمقاهي والمطاعم التي تقدم تشكيلات وأذواق مختلفة من الأطعمة تنتمي إلى شتَّى الثقافات إرضاء لاحتياجات ومتطلبات السائح. لفَتَ الصديق علي الحارثي “أبو الزهراء” نظري إلى ظاهرة تولِّي المرأة لقيادة مركبات الأجرة (التاكسي) في هواهين، على عكس الوضع في بانكوك والمدن الأخرى، وكانت هذه الملاحظة محل تساؤل من قِبله، هل لأن الرجل أكثر كسلا من المرأة؟ أو لأن القيادة في هواهين آمنة أكثر من المناطق الأخرى؟ أم لأن الرجال يتولون أعمالا وصناعات ويشتغلون في مدن أخرى، الأجر فيها أعلى وأكثر تحقيقا للطموحات، وتركوا أمر سيارات الأجرة للنساء...؟ تساؤلات ألقاها أبو الزهراء في لحظات تأمل لشوارع هواهين، لم نواصل للأسف البحث عن إجابات عنها. ما زالت الكمامات سمة بارزة تخفي وجوه التايلنديين، وخصوصا في المراكز والمجمعات التجارية والفنادق والأسواق العامة ومختلف المؤسسات، فـ”كوفيد ١٩”، لا يزال ينشر الخوف في نفوس المجتمع، والدرس المرعب ما زال يلقي بظلاله على الأجواء في تايلند، والكثير من الأسواق والمحالِّ التجارية والمنتجعات في المدن خارج بانكوك، لم تسترد نشاطها ولم تستطع العودة إلى ما كانت عليه في مرحلة ما قبل كورونا. من أهم المعالم السياحية في “باتايا” المدينة الصاخبة المليئة بأشكال وخيارات واسعة من الترفيه، الحدائق المتخصصة في الحياة البحرية والحيوانات والصخور وتلك التي تعرض مجسمات مصغرة لأهم المعالم في تايلند ومدن العالم، والأسواق المائية والشعبية والعصرية، والشواطئ الخلابة، والمقاهي والمطاعم المطلة على البحر، وفي باتايا استلهمت فكرة تحويل الطائرات “عديمة الفائدة”، إلى مقاهٍ وكافيهات من رحم قيود “كوفيد١٩”، لإشعار مرتاديها بمتعة السفر وركوب الطائرات للترفيه عن النَّفْس، وقد ارتشفنا فناجين القهوة والكيك المحلى في واحدة من هذه الطائرات التي حُوِّلت إلى مقهى عند عودتنا من حديقة “نوغ نوش” الاستوائية التي تُعدُّ من أهم العجائب في دول شرق آسيا، وتنظم في قاعاتها ومسارحها العروض الثقافية التي تقدم التاريخ والثقافة والتقاليد التايلندية، وسيرك الفِيَلة وغيرها الكثير... سوق المساج في باتايا بأنواعه رائج ومزدهر، بل قد يتفوق على الأنشطة التجارية الأخرى، هذا ما يلحظه السائح من صفِّ المحالِّ الطويلة العامرة بالتايلنديات المتخصصات في هذا المجال، واللاتي يبرعن في إقناع الناس بتجربة الاستلقاء على الكراسي المصفوفة وعرض الخيارات المتاحة عليهم.. إنها المدينة التي لا يشعر فيها السائح بالملل والسأم مهما بقي من الوقت. صباح يوم السبت الموافق ٢٩ أكتوبر، غادرت الفندق في الصباح الباكر برفقة الصديق حافظ المسكري “أبو عدنان”، لإجراء الفحوصات الطبية الشاملة، في مستشفى “ساميتيفيج” بقلب العاصمة بانكوك والتي كلفت الواحد فينا حوالي “١٩٠” ريالا عُمانيا، استغرقت حوالي ثماني ساعات، مشمولة بمقابلة الطبيب وشرح النتائج وتسليم التقرير على قرص “سيدي” وملف ورَقِي، وقد تأسس المستشفى باستثمار من قِبل شركة “سيف” في العام ١٩٧٩م، نبهني الأخ “أبو عدنان” إلى مبنى منفصل تابع للمستشفى كتب عليه “مبنى اليابانيين”، وعندما استوضح عن مهامه قيل بأنه مخصص للمرضى اليابانيين الذين يعالجون بأعداد كبيرة في المستشفى، مفضلين الخدمات الصحية التايلندية التي تتميز بتكلفة معقولة مقارنة باليابان. في اليوم الأخير المتبقي من زمن رحلتنا قررنا زيارة العاصمة التايلندية القديمة “أيوتايا”، أو “أيوتثايا”، وهي مملكة “سامية ظهرت في العام ١٣٥٠ واستمرت إلى العام ١٧٩٧م”، وازدهرت بفضل انفتاحها على التجارة والاستثمار الأجنبي، وامتدت عاصمة لمملكة واسعة شملت أجزاء من بورما وكمبوديا. استغرقنا حوالي الساعة من بانكوك للوصول إلى أهم معالمها الدينية والتاريخية والمدينة القديمة التي لا تزال أطلالها وصروحها تتناثر على مساحات واسعة، وتقدم “أيوتثايا”، كمملكة لها أمجادها وعراقتها وصيتها وبذخ الحياة ورُقيها في هذه المنطقة من العالم، فالقرية اليابانية التي تحوَّلت إلى مزار سياحي وازدهرت منذ القرن الرابع عشر الميلادي، هي الأخرى تؤكد على ازدهار وانفتاح ونمو “أيوتثايا”. الحدائق والشواطئ والطبيعة الخلابة والمعالم السياحية المتنوعة والإطلالات الرائعة والمعابد والعروض الثقافية والتسوق وإجراء الفحوصات الطبية والتعرف على الصناعات التقليدية وما بلغته تايلند من تقدم... في عدد من المدن التي زرناها، من البرامج والفقرات اليومية التي نتعرف عليها ونستطلع قيمتها ونستمتع بها كونها تعرف بالحياة والثقافة والتاريخ التايلندي، وتشعر النَّفْس والقلب بالبهجة والانشراح.
أخيرا، إن نجاح أي رحلة في تحقيق مقاصدها وغاياتها المحددة مسبقا، يتطلب تنظيما ودقة وضبطا، وقائدنا الصديق تركي البوسعيدي، “أبو فيصل” ـ الذي تناولت مقالاته المنشورة في وسائل التواصل، قضايا وملفات المشهد الوطني بجرأة وغيرة، وفي انتظار باكورة أعماله الروائية قريبا ـ كان على درجة عالية من المسؤولية والأمانة ونجح في هذا التطواف وما سبقه من أسفار كثيرة، في ضبط الميزانية وحجز فنادق رفيعة المستوى، وأخذنا إلى مواقع ومعالم سياحية مهمة جدا، فله كل الشكر والاحترام. والشكر كذلك لبقية الرفقاء في هذا التطواف الجميل الذي تحصلنا منه على معلومات وزرنا مناطق جديدة، هذا فضلًا عن التجديد وكسر الروتين اليومي والترفيه وإجراء الفحوصات الطبية والظفر بمحتوى كافٍ لإعداد هذا المقال في أربعة أجزاء.
سعود بن علي الحارثي
[email protected]