أولا: وجبة سياحية متكاملة.تايلند واحدة من الوجهات المبكرة جدا؛ أي قَبل أكثر من ثلاثة عقود ونصف، التي طفت بين جزرها الساحرة، ومُدنها المزدحمة بالبَشر والعِبر، ومعالمها السياحية، التاريخية والطبيعية والدينية والترفيهية، وجِلْتُ في شوارعها وأسواقها الشعبية والعصرية، وعايشتُ أولا بأول ما استجد في بناها وهياكلها من نُمو وتحوُّلات وطفرات تطويرية شملت جميع مناحي الحياة وحقول المعرفة والقِطاعات التنموية المختلفة، واستوعبت محتوى ثقافة وتقاليد الشَّعب التايلندي، وزرتُ العديد من مستشفياتها الضخمة مرافقًا لفردٍ من أفراد أُسرتي يحتاج إلى علاج وتشخيص مرض من الأمراض أو بغرض إجراء الفحوصات الطبية الروتينية، فتايلند وجهة سياحية تُلبِّي كلَّ الأذواق، وهي بلد سياحي بامتياز، فطقسها الاستوائي المعتدل، وشَعبها اللطيف والمهذب، وبنيتها التحتية المتينة، ووسائل وشبكات النقل المتقدم، وفنادقها ومنتجعاتها الضخمة الرحبة، ومؤسساتها الصحية المعدَّة بأكفأ الأطباء والكوادر الفنية وأجود المرافق والأجهزة والمعدَّات التشخيصية، وخبرتها العميقة والطويلة في استقبال السياح وتوفير احتياجاتهم التي سبقت الكثير من الدول والوجهات السياحية الأخرى بعقود، وأسواقها الكبيرة التي تقدِّم كلَّ ما يحتاجه ويبحث عنه ويتوق إليه الإنسان، وأسعارها المعقولة التي حماها التايلندي من الاستغلال والغشِّ والفساد بالأمانة والإخلاص والوعي بأهمية وقِيمة السائح في ازدهار وانتعاش وتنوُّع ونُمو اقتصاد بلاده واستتباب الأمن... جعلت منها مقصدا سياحيا هو الأمثل دُونَ منازع. لذلك لا يكاد يمرُّ أسبوع دُونَ أن نودع أو نستقبل من نعرفه متوجها أو عائدا منها لتحقيق مقاصد وأهداف شتَّى... وقد توقف السفر أو ضعف بشكلٍ كبير إلى تايلند، لما يقارب السنتين ونصف السنة؛ بسبب الإجراءات والاحترازات الصارمة والمشددة لمواجهة جائحة “كوفيد19”، التي طبقتها تايلند على قِطاع السياحة الذي تضرَّر بشكلٍ كبير، وكنا نتساءل وقتها عن الطريقة والمصادر التي ستكفل استمرار العيش الكريم لملايين المواطنين هناك، الذين جعلوا من السياحة موردا ومعيلا ومصدرا وحيدا لدخلهم اليومي والشهري، ويعملون في مكاتب السياحة ووسائل النقل والمقاهي والمطاعم والمعالم النشطة والفنادق والمستشفيات والأسواق والمصارف... المعتمدة على السياح والتي أكدت السياسات المتخذة والصور والمقاطع المبثوثة في وسائل التواصل وما يرد في حديث بعض من يعمل في السفارة هناك ممن نعرفهم... بأن تايلند المزدحمة بالسياح في مرحلة ما قبل “كوفيد19”، أصبحت موحشة مقفرة خالية تماما منهم. ولكننا بعد بحث ومتابعة علمنا أن الحكومة التايلندية أقرَّت سياسات أخرى لحماية المجتمع من تأثيرات الإجراءات الاحترازية المطبقة، بتوزيع بطاقات تموينية مجانية للمتضررين والمحتاجين، ما خفف من الآثار والأضرار العميقة. على مدى أكثر من أربع سنوات لم أزُرْ تايلند، وهو ما لم يحدث خلال العقدين الماضيين، إلغاء السياسات الاحترازية، وعودة الحياة إلى طبيعتها بعد “كوفيد19”، وما شعرت به من آلام مستجدَّة في مَعِدَتي، شجَّعتني على جسِّ نبض أصدقائي المقربين الذين ألِفْتُهم واستمتعتُ كثيرا برفقتهم، وأدمنتُ السفر والتطواف بين مدن العالم معهم، لزيارة تايلند استكشافا واستجماما وفحصا طبيا ورفقة طيبة بهيجة... فوجدت منهم التأييد والمباركة. كانت قِيمة التذاكر آنذاك ـ أي في شهر أغسطس عندما تداولنا مقترح السفر ـ قد تجاوزت الـ400 ريال على الطيران العُماني، وهي قفزة لم نعهدها ولم نعتَدْ عليها من قَبل، وتفوق بالطبع توقُّعاتنا وقدراتنا الماليَّة، فكانت واحدة من المعيقات التي كادت تُودِي بالفكرة وتطيح بالمبادرة، فالسعر على خطوط الطيران العُماني كان مرتفعا ومبالغا فيه حتى لأشهر قادمة بما في ذلك أكتوبر موعد سفرنا، ولكن بفضل جهود الأخ والصديق تركي البوسعيدي تمكنَّا من تجاوز هذا الإشكال بالحجز على الطيران القطري بسعر أقل بكثير ويتناسب مع ظروفنا الماليَّة وقدراتنا المادية، وهذه ملاحظة موجهة إلى المعنيين عن أسباب هذه الفوارق الكبيرة في أسعار التذاكر بين الطيران العُماني والشركات الأخرى في المنطقة ما يضطر العُمانيين وغيرهم إلى البحث عن البدائل وما يتسبب في فقدان الطيران العُماني لنسبة مهمَّة من المسافرين؟ صباح العشرين من أكتوبر، وفي الساعة الخامسة والنصف فجرا، انطلقت بنا طائرة الخطوط القطرية إلى مطار حمد، ومن سماء الدوحة تبدت للمسافرين من على متن الطائرة عوالم من الأبراج والبنايات العالية والصروح والمباني الهائلة التي تلفت النظر وتأسر العقول، فمن يصدق أن هذه المدن والعواصم الخليجية التي نقلع ونهبط من وفي مطاراتها العملاقة والعصرية، كانت قَبل خمسة عقود تسبح في كثبان من الرمل وأمواج تحيط بها من البحر، غارقة في الظلام الدامس ليلا، يحيا مواطنوها في منازل من سعف النخيل أو بيوت متواضعة من الطين، لا كهرباء ولا شبكة مياه صالحة ولا مستشفيات ومدارس وجامعات وطُرق وبنى عصرية، هي ذاتها التي تعيش اليوم بهذه الأبهة والفخامة والبذخ والعصرنة والحداثة، أبراج تناطح الغمام، وعمارات تحجب ضوء الشمس، صروح ومدن ومراكز وميادين وقصور و”مولات” وحدائق غنَّاء ولمسات جماليَّة تبهر العقل، غابات من المباني العصرية تقف على ترسانات مسلحة وسيجت بجدر من المرايا والبلور والرخام والديكورات الفاخرة، نمو وازدهار ورخاء وتقدم متسارع في البنى وهياكل التنمية مسحت أنماط وأشكال وملامح الحياة القديمة، كل هذا التحديث والتحوُّل العميق في المظهر الخارجي كما نراه، يقابله مواطن يشكو من ضعف الدخول والديون وغلاء المعيشة وشح الوظائف والتسريح والفقر... فأين الخلل يا ترى؟ هل في الفساد أم في توزيع الثروة التي تتدفق إلى جيوب القلة وتحرم منها الكثرة، أم في القوانين والأنظمة أو في المنظومات السياسية التي لم تشهد بعد تحديثا في هياكلها ومؤسساتها ودساتيرها تضمن إشراك المواطن حقيقة في صناعة القرار؟ أيا كانت الأسباب التي لا يستبعد بأنها قد اجتمعت فعلا فيما قدمه السؤال من احتمالات؟ المهم أن هذا الواقع يجب أن يتغير وأن توجه التنمية لإسعاد وإرضاء الإنسان وتحقيق رخائه وازدهاره، والمواطن “أساس التنمية” ينبغي أن يتجاوز التنظير والشعارات إلى التطبيق والواقع الملموس. سعود بن علي الحارثي[email protected]