كلنا يعي بأن الحسد من الأمراض القلبية التي تصيب بعض الناس، بسبب الغيرة، فتتحرك تلك النفس الخبيثة تجاه الفرد الذي أكرمه الله بنعمة ما، في حين أنه كان من الأولى أن يدعو بالخير ودوام نعم الخالق عليه. وبلا شك فالحسد هنا قد يفسد حبنا ويجفف أرواحنا، بل ويبرز الأوهام القبيحة والحاقدة بداخلنا والتي تسعد بمعاناة الآخرين دون سبب آخر غير أن حظهم الجيد يجعلنا نشعر بعدم كفاية المقارنة.
وحقيقة إن استطعت أن أختصر المعنى هنا، فلعلِّي أعتقد جزما بأن الحسد قاتل للسعادة. ولسوء الحظ، فالحسد طبيعي تماما كما نلاحظه في أي مجتمع ولا يمكن التخلص منه بشكل نهائي، ولكن إذا فهمته بشكل أفضل، خلقا واتباعًا لنهج ديننا الحنيف وقيمنا الكريمة فإنه يمكنك التوقف عن تأجيجه والتراجع عن حافة ذلك الجرف.
فعندما يرى ذلك الفرد بأنه تخلف عن الآخرين في شيء ما، فإن الألم الذي يشعر به غالبا ما يدفعه إلى بناء نفسه أو هدم الآخرين. كل هذا كان يمكن أن يكون حياة أو موتا في زمن الكهوف، لكنه يبدو أنه عفا عليه الزمن إلى حد كبير اليوم. وربما من غير المحتمل أن تموت بمفردك لأن منشوراتك على وسائل التواصل الاجتماعي أقل شهرة من منشورات الآخرين. لكن الألم يمكن أن يكون بنفس الحدة!.
وهنا طبيا أيضا تدرك أن الحسد عندما يكون خبيثا فهو أمر مروع بالنسبة لك. حيث وجد علماء الأعصاب أن الحسد على الآخرين يحفز القشرة الحزامية الأمامية للدماغ، والتي ترتبط بالألم الجسدي والعقلي. ولاحظوا أيضا من خلال أبحاثهم، وبعد متابعة ذلك الفرد الحاسد كيف أنه تدهورت صحته النفسية وانخفض مستوى السعادة عنده في مستقبله. وبشكل عام، عادة يصبح الناس أكثر صحة نفسيا مع تقدمهم في السن، ولكن للأسف الحسد يمكن أن يعيق هذا الاتجاه. على عكس الغبطة ومفهومها الذي نعلمه والذي بشكل جيد قد يحفز طموحك.
وبينما أنت كذلك تنظر لهذا العصر وطفراته، قد تلاحظ أن ذلك الفرد يشعر بالحسد أيضا، عندما يتعرف على الأشخاص الذين يبدون أكثر حظا منه. هذا بسيط بما فيه الكفاية في التفاعلات العادية. لكن ظروف الحسد تنفجر إذا عرضنا الناس لمجموعة واسعة من الغرباء الذين يهتمون بحياتهم لتبدو براقة وناجحة وسعيدة قدر الإمكان. من الواضح أنني أصف وسائل التواصل الاجتماعي هنا، والظروف الخصبة الفريدة التي تخلقها لهذه المشاعر المدمرة.
لذلك كان الأولى لأي فرد النظر لنفسه بعمق وترك من حوله، لأنه وبشكل ما فالطريقة الرئيسية التي نروي بها تلك الحشائش الجافة (الحسد) هي باهتمامنا. نحن نركز باهتمام على الصفات التي نريدها ولكننا نفتقر إليها.
فوسائل التواصل الاجتماعي ـ مثلا ـ قد تزرع الحسد أحيانا: ألست معي في أنها تظهر لك حياة الناس الأكثر حظا منك، فأصبح من السهل أكثر من أي وقت مضى على أي شخص التباهي بحسن حظه للجماهير، ويضعك في نفس المجتمع الافتراضي مثل الأشخاص الذين ليسوا في مجتمعك الواقعي، مما يجعلك تقارن نفسك بهم.
أليست مشاركات بعض المشاهير والمؤثرين مصدر حسد قوي وغير ضروري بشكل خاص لأولئك الأفراد. وهنا أعني بأن الحل ليس التخلي عن وسائل التواصل الاجتماعي، بل ربما هو إلغاء متابعة الأشخاص الذين لا تعرفهم والذين تطلع على مشاركاتهم ببساطة؛ لأن لديهم ما تريد. ودائما أنصح هنا بأن يستخدم الفرد وسائل التواصل الاجتماعي لمواكبة الأصدقاء الحقيقيين، وتعلم أشياء ممتعة وممكنة، وربما تضحك قليلا. هناك ما يكفي من الحسد بين الأصدقاء، فلا توسعها لتشمل سكان العالم!! لذلك قم رجاء بإيقاف تشغيل آلة الحسد لديك.
ختاما، قد يكون هنالك ترياق يحسد عليه الجميع أيضا!! ألا وهو الامتنان والتقدير للهدايا الخاصة بك، مهما كانت. فالامتنان صدقا يطفئ الحسد ـ وللأسف الكثير يعي ذلك. لذا دائما ما أذكر بأن تستخدم هذه المعرفة جيدا: ففي المرة القادمة سينبح صوت الحسد بداخلك، فقم بتهدئته بأفكار الأشخاص الذين يحبونك، والأشياء التي تستمتع بها، والحظ السعيد الذي حظيت به.

د. يوسف بن علي الملَّا
طبيب ـ مبتكر وكاتب طبي
[email protected]