عادت دولة “الاحتلال الإسرائيلي” للتشديد من إجراءاتها القمعية لوأد أي عملية نهوض وطني فلسطيني في فلسطين، وأي عملٍ مقاوم يتطور كل يوم على الأرض في مواجهة الاحتلال بكل الوسائل المُمكنة والمتوافرة، بما في ذلك العمل الانتفاضي الجماهيري السلمي، فالروح والإرادة الكفاحية المتواصلة والمتأصلة لدى أبناء فلسطين، والصمود الأخير في مدينتي جنين ونابلس، وريفهما، تتطور كل يوم ويرتفع منسوبها بالرغم من ازدياد أعداد المعتقلين والأسرى، والارتفاع الكبير في عدد الشهداء والجرحى الفلسطينيين من الشباب والفتيان والفتيات وباقي الفئات العمرية، ومع هذا تعزَّزت روح المقاومة الفلسطينية وانتشرت، حيث كَتَبَ المُحلل السياسي والعسكري “الإسرائيلي” (رون بن يشاي) قائلًا “إن التصعيد في المقاومة الشعبية المتمثل بإلقاء الحجارة والزجاج الحارق الذي بدأ قبل ثمانية أشهر لن ينحسر، بل إنه يتعاظم، طالما أن بؤرتي العمل المقاوم (مخيم جنين ونابلس) نشطتان”...إلخ.
كما عادت دولة “الاحتلال الإسرائيلي” لاستخدام وانتهاج عدة تكتيكات عسكرية، ومنها عمليات الاغتيالات، ودخول المدن وحواريها، في مواجهة مجموعات المقاومة الفلسطينية، وخصوصًا منها المجموعة التي باتت تحمل عنوان “عرين الأسود”، وهي مجموعات مقاومة فدائية، تضم مجموعة من الشبان الفلسطينيين، المُستقلين تنظيميًّا، وبعضهم ممَّن ينتمي لفصائل فلسطينية، وخصوصًا كتائب شهداء الأقصى، وكتائب القسام، وسرايا القدس، وكتائب الشهيد أبو علي مصطفى...
إن استراتيجية الاغتيالات في مواجهة مجموعة “عرين الأسود” في نابلس ليست جديدة في النهج والسلوك “الإسرائيلي” حيث شهدت الانتفاضتان الأولى (من نهاية العام 1987)، والثانية (من منتصف العام 2000) حملات اغتيال وتصفيات “إسرائيلية” واسعة ليس فقط للقادة والنشطاء في مسارات العمل الانتفاضي والمقاوم، بل وتوسعت لتطول رموزًا وشخصيات من القيادات السياسية. وقد استخدمت قوات الاحتلال في عمليات الاغتيال كل صرعات تكنولوجيا القتل، وتطورت في أساليبها وأشكالها، من الاغتيالات المباشرة على الأرض بواسطة وحدات المستعربين الفاشية (وحدات مستعربين تضم يهودا من أصول عربية) العاملة في صفوف قوات الاحتلال، ومجموعات الشاباك/الشين بيت (الأمن الداخلي)، إلى استخدام الحوامات الجوية، وتحديدًا مروحيات الأباتشي بالترابط المباشر مع المعلومات الاستخبارية على الأرض، وبإطلاق الصواريخ الليزرية فائقة التطور من نوع (هيلفاير) على الأهداف البشرية الفردية أو الجماعية، وعلى السيارات المدنية والمقرات، كما حدث في عملية اغتيال الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين الشهيد أبو علي مصطفى في مكتبه برام الله عام 2002. وسبقه اغتيال الشهيد الدكتور ثابت ثابت من حركة فتح في طولكرم، والمئات من مختلف القيادات السياسية لعموم القوى الفلسطينية.
وعليه، نفذ جيش الاحتلال مؤخرًا، عملية اغتيال القيادي الميداني في “عرين الأسود”، الشهيد تامر الكيلاني، في عملية اغتيال بعبوة لاصقة زرعها الاحتلال يوم الأحد 22/10/2022. واغتال قبله بفترة قصيرة، وبطريقة مشابهة كلًّا من: الشهيد أسامة جوابرة، والشهيد باسم أبو سرية.
رئيس “الحكومة الإسرائيلية”، يائير لبيد، ووزير أمنه، بيني جانتس، دفع “المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغر للشؤون الأمنية والسياسية” (الكابينيت)، لاتخاذ قرار، بالتعامل بشكل عاجل مع أي مجموعة مقاومة فلسطينية، وخصوصًا مجموعة “عرين الأسود” والمقاتلين الذين ينطلقون من مخيم جنين وبالاغتيالات والتصفيات الجسدية.
إذًا، تم إطلاق إشارة للعودة لأعمال الاغتيالات لأجهزة أمن وجيش الاحتلال، مع تجنب المواجهة المباشرة مع مقاتلي مجموعات “عرين الأسود” التي تنشط في منطقة بنابلس “حفاظا على أرواح جنود الاحتلال”. فيما أشارت تقديرات أجهزة أمن الاحتلال التي أوردتها “القناة 12 الإسرائيلية”، إلى أن الأيام المقبلة قد تشهد تنفيذ المزيد من عمليات الاغتيال التي تستهدف مقاتلي “عرين الأسود”. ووصف المراسل العسكري لهيئة “البث الإسرائيلي كان 11” روعي شارون، عملية اغتيال الشهيد تامر الكيلاني بأنها “تصعيد لسياسة “الأجهزة الأمنية الإسرائيلية” والمتمثِّلة في استخدام القوة” ضد المقاومين الفلسطينيين الذين ينشطون شمال الضفة الغربية.
وفي هذا الإطار، العمل الكفاحي الفلسطيني، وبأشكاله وأنماطه المُتعددة، لم يتوقف لحظة واحدة، على الطريق الطويل المُعبَّد بالتضحيات الكبرى والجسام. لكن مساراته، لا تعتمل على خطٍّ مستقيم، بل على شكل خطٍّ بياني يتحرك هبوطًا مؤقتًا، وصعودًا، ولو كان أحيانًا صعودًا بشكلٍ بطيء نحو الأعلى. وعلى الفلسطينيين أن يتكاتفوا ويشدوا الأيادي، والمطلوب، زج الأغلبية الساحقة من شعبنا بالعمل الكفاحي اليومي، وليس الجلوس على مقاعد المتفرجين على أعمال الأفراد. بل المطلوب إضافة لمقاومة مجموعات بعينها كـ”عرين الأسود”، نزول الشعب بمقاومة جماهيرية واسعة ضد الاحتلال تحظى باحترام وتأييد المجتمع الدولي بأسره، وتحرج دولة الاحتلال.
أخيرًا، نورد التحية للشهداء، كل الشهداء على أرض الوطن، كما صدحت بها حنجرة شاعر العالمية العربي الفلسطيني محمود درويش:
وَأسْرِقُ وَقْتًا لِكَيْ يسْرِقُوني مِنَ الوَقْتِ. هَلْ كُلُّنَا شُهَدَاءْ؟
وَأهْمسُ: يَا أَصْدِقَائِي اتْرُكُوا حَائِطًا وَاحِدًا، لحِبِالِ الغَسِيل، اترُكْوا لَيْلَةً لِلْغِنَاءْ
أُعَلِّقُ أَسْمَاءَكُم، أيْنَ شِئْتُمْ فَنَامُوا قَلِيلًا، وَنَامُوا عَلَى سُلَّم الكَرمَة الحَامضهْ


علي بدوان
كاتب فلسطيني
عضو اتحاد الكتاب العرب
دمشق ـ اليرموك
[email protected]