في الشهر الماضي تابعت باهتمام بالغ أصداء زيارة جلالة السُّلطان هيثم بن طارق سلطان عُمان لمملكة البحرين، فهي تعبِّر عن عُمق العلاقات البحرينية العُمانية، تلك العلاقة التاريخية الممتدة والراسخة عبر سنوات طويلة، تلك العلاقة الثانية المتعددة المجالات كالمجال الاقتصادي والثقافي والاجتماعي، وغيرها من المجالات. لعلَّ تلك الزيارة وما بها من أحداث أعادت بي لذكريات قديمة مرَّت بي في حياتي المهنية، حيث كنت أنشط في مجال الأنشطة الطلابية في بعض الجامعات بمملكة البحرين، وكم كانت طبيعة العلاقة بين الطلبة البحرينيين والعُمانيين تستوقفني. علاقة انسجام ووئام وكأنهم ينتمون لأسرة واحدة، بل إن الترابط بينهم يرتقي إلى من مستوى الصداق إلى مستوى الأخوة حيث الإثارة والمساندة والألفة بينهم.
فأن ترى صداقة حميمة بين طالب بحريني وطالب عُماني، أمر لا يدعو للغرابة. وأن ترى طلبة بحرينيين وعُمانيين يتشاركون في نشاط طلابي مشترك أمر مألوف جدا، وأن ترى طالبا بحرينيا وطالبا عُمانيا يتشاركان في الإقامة في غرفة واحدة في سكن الطلاب الجامعي أمر معتاد جدا، وأن ترى طالبا بحرينيا وطالبا عُمانيا يتشاركان في استئجار سيارة مشتركة وتستمر المشاركة سنوات دون خلافات أمر لا يدعو للاستغراب. فاستمرار العلاقة الأخوية بين الطالب العُماني والطالب البحريني على مدى سنوات، وتطور هذه العلاقة أمر ألِفْناه عبر حياتنا الجامعية، سواء كطالبة أو موظفة بالجامعة في إدارة شؤون الطلبة، هي ملاحظات وتأملات في أحداث شهدتها بنفسي. فالطلبة العُمانيون ينسجمون بشكلٍ لافت للنظر مع الطلبة البحرينيين، تلك العلاقة التي رصدتها تدلُّ على عُمق الانسجام بين الشَّعبين البحريني العُماني. فما زلت أذكر أنه كلما طرحت الفرصة لتشكيل الفرق الطلابية للأنشطة المختلفة كاللجنة الثقافية أو لجنة الصحافة أو اللجنة الاجتماعية، فنلاحظ بكل عفوية وتلقائية أن الطلبة العُمانيين والبحرينيين يتشاركون في تشكيل فرق العمل معا. فما زلت أذكر ذلك التناغم بين الطالب البحريني والطالب العُماني في مجال الصحافة الجامعية. فالطلبة البحرينيون والعُمانيون يتشاركون في كتابة التقارير الصحفية، وفي تحرير النشرة الصحفية الجامعية، وأعجب لتشابه الطرفين في طريقة الكتابة وفي اختيار المواضيع. وما زلت أذكر الأنشطة المشتركة في لجنة المحاضرات والندوات والمناظرات بينهم ليطرحوا معا قائمة الموضوعات والمتحدثين، بكل توافق، وكأني ما زلت أسمع ضحكاتهم معا ومرح الشباب الذي يجمعهم في الرحلات الطلابية، وما يلفت نظري أنني لم أجد قط خلافا دبَّ بين طالب بحريني وطالب عُماني، فالطرفان يتسمان بلين الطبع والهدوء والسلاسة والمرونة في التعامل. وليس في هذا الأمر عجب، فالشَّعبان البحريني العُماني هم أشقاء منذ قديم الزمان، وتلك الأخوة المشتركة بين الشَّعبين تناقلت جيلا بعد جيل، فهذا طريق التجارة البحري النشط بين البلدين منذ الحضارة الدلمونية وحضارة مجان، يجعل التواصل بين الشَّعبين مستمرا ليتمَّ من خلاله التبادل في الثقافات وفي العادات والتقاليد، وفي نمط المعيشة حتى كادا أن يكونا شعبا واحدا، فنشاط التبادل التجاري مستمر بين البلدين فها هي الحلوى البحرينية والحلوى العُمانية، تستقر على مائدة البحرينيين والعُمانيين، وهم يتبادلون المنتجات الزراعية والصناعية حتى باتت تلك المنتجات جزءا من ثقافة البلدين، ولكم تصاهر الشَّعبان واندمجت أُسر مع بعضها البعض فمن بين العُمانيين أخوال وأعمام أبناء البحرين، ومن بين البحرينيين أخوال وأعمام أبناء عُمانيين، فجذورنا وامتدادنا الثقافي عريق، ننحن ننسجم في خلفية ثقافية مشتركة، وفي عادات وتقاليد وأزياء تكاد تتشابه إلى حدٍّ كبير.
وها نحن نفخر بجمعية الصداقة البحرينية العُمانية التي تنشط لتعزز العلاقات الثانية في جميع المجالات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية، وما هذا النشاط إلا امتداد لتاريخ طويل من العلاقات الثنائية الوطيدة بين البحرين وعُمان منذ الحضارة الدلمونية مرورا بمرحلة الرحلات البحرية الاستكشافية لأحمد بن ماجد العُماني وبمرحلة الغوص لصيد اللؤلؤ والنشاط التجاري في هذا المجال بين البلدين في مجال تجارة اللؤلؤ وحتى يومنا هذا حيث استمرار تلك العلاقات الوطيدة. وقد استوقفتني أبيات الشاعر العُماني عامر الحوسني، ذلك الشاعر الذي صاغ عقدا ثمينة حباته من القصائد الوطنية، وجعل أوسط هذا العقد قصيدة تصف عمق العلاقات البحرينية العُمانية واستمرارها، هذا الشاعر قد أوجز علاقة الأخوة بين الشَّعبين الشقيقين في أبيات بليغة في قصيدة أسماها (التاريخ) (في حب البحرين وعُمان)، وهي إحدى عصارة تجربة ذلك الشاعر العُماني ودعوني أثري مقالي هذا بشيء من أبياته لتعبِّر عما عجز قلمي عن وصفه:
وترى أصل العلاقة بينا .. بحرين والا عُمان هذا مثل الشهيق وذا مثل الزفير. وهذي أحواله
كلانا جا يتنفس من بعضنا فـ أغلب الأوطان .. وصرنا كل ابونا أبطال يوم نحكي ابطاله
ترى التاريخ صعب اكتبه فالأبيات والقيفان .. إذا صار امتداده من بطلة الـ قمة أبطاله
سلام الـ مجد شعبين عظام وما يخص إنسان .. قممهم ثابته /‏ والمجد يوقف مجد (عدالة)
ترى البحرين وعُمان الحبيبة يعزفون ألحان .. من ضلوع الشعور وينتشي بك شعري لحالة
لله در الشاعر إذ أوجز عمق العلاقات البحرينية العُمانية العريقة في أبيات صاغها لتكون توثيقا لتك العلاقة التاريخية، أدام الله الوصل بين الشَّعبين وأنعم على الجميع بنعمة الأمن والسلام والمحبة... ودمتم يا أبناء عُمان وأبناء البحرين سالمين.



نجوى عبداللطيف جناحي
كاتبة وباحثة اجتماعية بحرينية
متخصصة في التطوع والوقف الخيري
[email protected]
Najwa.janahi@