يقوم “النقد الجديد” New Criticism، أو ما يُسمَّى بـ”النقد الشكلي” Formalistic Criticism، على افتراض مهم، مفاده أن العمل الأدبي (قصيدة أو مسرحية أو رواية أو ملحمة) إنما هو “كائن حي مستقل”، كائن يحقق من كاتبه أو مؤلفه، لحظة ولادة الرضيع من رحم والدته. لذا، يبقى العمل الأدبي جزءًا من ذلك الأديب أو الشاعر، مثل المرأة الحبلى، حتى لحظة وضعه أو ولادته.وعليه، يؤمن أتباع هذه المدرسة النقدية بالتعامل مع العمل الأدبي، كائنًا حيًّا مستقلًا، بحياة خاصة به، بغضِّ النظر عن الكاتبة أو الكاتب وعن حاضنته الاجتماعية وأفكاره السياسية، بعيدًا عن عقده النفسية، ناهيك عن فصله عن الصراعات الاجتماعية القائمة حقبة تأليف النص.وعليه، يقوم الناقد الجديد بقص خيوط التواصل بين النص الأدبي من ناحية أولى، وبين جميع الاعتبارات الخارجية الأخرى التي تعتمدها المدارس النقدية المتنوعة، بهدف تحليل النص الأدبي بعمق، مجردًا من كافَّة الاعتبارات “الخارجية” لأنها عوامل تقحم الأدب في حقول لا تمت له بصِلَة حقيقية!وهكذا، يتمكن الناقد الجديد أن ينقب في أعماق النص الأدبي بدقة أكبر وبتعمق أشد على سبيل ولوج دلالات ومعانٍ قد تكون بعيدة المنال بالنسبة للقارئ العادي، كما هي عليه الحال، لأتباع المدارس النقدية الأخرى، هؤلاء الذين يبحثون عن معانٍ وأبعاد معينة، كلًّا حسب اهتماماته.وإذا كانت هذه هي الأبرز من بين مدارس النقد الأدبي الآن، فإن هناك عددًا من “النقاد الجدد” الذين تمردوا على مبادئ “النقد الجديد” أعلاه، نظرًا لأحادية مدخله ولتجرده من كافَّة العوامل “الخارجية” المؤثرة على إبداع وحيثيات العمل الأدبي من خارج النص.والحقُّ، فإن هذا ما حدا بعض النقاد إلى اعتماد مدرسة نقدية جديدة، أطلقوا عليها عنوان “مدرسة شيكاغو” النقدية The Chicago School of Criticism، نظرًا لأنها احتجت على قطع جميع أواصر النص الأدبي بخارجه من العوامل (كالأواصر الاجتماعية والرسالة الأخلاقية، والمعاني النفسية، من بين سواها) على سبيل القيام برصد وتحليل النص الأدبي، مجردًا، شريطة إقحامه في مهاده الفردي والاجتماعي والنفسي فيما تلا من دراسة. وهكذا، استحال عمل أتباع مدرسة شيكاغو النقدية أعلاه إلى وظيفة نقدية أصعب لأنها متعددة الأغراض ومتنوعة الأهداف، ناهيك عن إشباعها لكافَّة أنواع ومشارب القراء، كلًّا حسب اهتماماته وتطلعاته! أ.د. محمد الدعميكاتب وباحث أكاديمي عراقي