بلغ الاهتمام العربي بالانتخابات البرازيلية تحديدا حدا غريبا، فهناك في الفضاء الإلكتروني، وحتى في الشارع، نقاشات محتدمة تصل لحدِّ التعصب بين أشخاص لم تكن السياسة يوما ومتابعتها من أولوياتهم، خصوصًا وأن ثقافتهم عموما، والسياسية منها على وجه الخصوص، أقل من المستوى المتوسط بكثير، وهو ما حوَّل تلك النقاشات التي لم أكن طرفا فيها، والتي تكررت في أكثر من مكان، إلى سؤال ظل يراودني طوال اليومين الماضيين، وبدأت أفكر!!.. لماذا البرازيل؟ فهناك العديد من الانتخابات في الدول الكبرى. صحيح أن تلك الانتخابات المحتدمة، والتي فرض موعد المقال الثابت أن أتحدث عنها قبل ظهور النتائج، وكتبت المقال أثناء الاقتراع في المرحلة الثانية، التي تجمع النقيضين، الأول يمثل اليمين بوضوح شديد، ويدور في فلك المعسكر الغربي بتوجُّهاته الاقتصادية والسياسية، والآخر يساريا اشتراكيا كان أيقونة لعودة اليسار للحكم.فلويس إيناسيو لولا دا سيلفا الرئيس الـ35 للبرازيل لدورتين متتاليتين بين عامي 2003 و2010، كان في شبابنا نموذجا للإصلاح الوطني، خصوصًا الجانب الاقتصادي منه، فهو الوجه الذي جدَّد شباب البرازيل، وشباب اليسار الاشتراكي حول العالم، فقد جعلت تجربته الناجحة التي نقلت البرازيل نقلة كبرى، العالم يتوجه نحو نماذج يسارية اشتراكية حتى في الدول ذات التوجُّه اليميني في أوروبا. لذا تحوَّل لنموذج يقتدى به لأي أمل يساري يسعى لتحقيق طموحات الشعوب، في المقابل يواجه هذا العجوز ذائع الصيت، الذي أضاع تجربته من خلفه من اليسار، وجعل البرازيليين يتجهون مرة أخرى لليمين ممثلا في منافس سيلفا الحالي اليميني جايير بولسينارو صاحب الـ67 عاما، وهو الرئيس الـ38 للبرازيل والذي تولى منصبه عام 2019، الذي جاء بعد تجارب يسارية خلفت منافسة، وأثرت على إيمان أبناء البرازيل بالتجربة عموما.ولعل هذا ما يوضح لماذا لم يكتسح دا سيلفا المحمل بإنجازات كبرى أثناء فترة حكمه، الانتخابات من المرحلة الأولى، بل إن رغم التفوق بنسبة 48%، يدخل الانتخابات في مرحلتها الثانية وهو غير ضامن الفوز، فاليمين ممكن أن يتجمع ويجعل بولسينارو الأقرب للفوز، وهو ما يفسر ويطرح جوابا عن سؤال: لماذا البرازيل؟ التي سيطرت على جزء من نقاشات الطبقات المتوسطة والأقل، واهتمامها بتلك الانتخابات، بحثا عن نموذج له أرضية وتجربة ناجحة، وبين غيرهم الذين يرون في حرية أسواق اليمين ملاذا ينقذهم من تجارب يسارية أخرى. فالانقسام هنا، وأعتقد في البرازيل، حول الذين يرون في السياسات الغربيَّة بشقيها الاقتصادي والسياسي أكثر أمانا واستقرارا رغم تغول التضخم وتفاقم الفقر، وبين من يعولون على شخصية لها رمزيتها برغم تغير الظروف والسن، ليؤكدوا أن المسار الاشتراكي صحيح، ويحتاج لمن ينفذه ويمتلك القدرات المؤهلة لتنفيذه.إنه صراع طبقي عالمي يؤكد أولا أن اليسار العالمي لا يزال يربط الفكرة بالشخص، ولم يستطع تطوير أفكاره لتناسب النظام الرأسمالي والليبرالي، دون أن ترتبط تلك الأفكار والتجارب بشخوص، وهي الميزة التي تجعل اليمين صاحب فترات أطول في الحكم، ويجعل اليسار الاشتراكي الديمقراطي رهينة طفرات تبرق بشدة، وتخبو مجددا فترات أطول، فدا سيلفا في هذا العمر الكبير مطالب بحماية التجربة في بلاده، والعمل على مكافحة الفقر الذي يطول 30 مليونا والتضخم والبطالة اللذين أسهما في تفاقم الفساد وتردي الأوضاع المعيشية. لكني أخالف الجميع هذا التصور حول نجاح دا سليفا، فإن نجح سواء في الانتخابات، أو في تكرار تجربته، سيكون الفضل له بالطبع، لكن لن يكون لتجربته هذا الزخم السابق على مستوى العالم، فالكل سيربط النجاح بالقدرات الفردية، وليس بالأفكار اليسارية الاشتراكية، كما أن ما ينجح في الماضي أكيد لن يتكرر مع التغيرات الزمانية التي ستؤثر بالتأكيد على المعادلة، ويبقى على اليسار تجديد رهانه ومحاولة وضع نظم لا ترتبط بأشخاص، لكنها تتحرك وفق آليات محددة، لتكون طفرة حقيقية، تشبه التحوُّل اليساري في التعاطي مع الديمقراطية في العقود الأربعة الأخيرة. إبراهيم بدوي[email protected]