عرض ـ محمدعبدالصادق:صدر حديثا للكاتب سعود بن علي الحارثي كتاب بعنوان “الأندلس تطواف بين زمنين”، الكتاب صدر عن دار اللبان وعدد صفحاته 96 صفحة من القطع الصغير، تصدره غلاف يجسد المعنى الذي اختاره الكاتب لمؤلفه بصورة لمعلمين معماريين أندلسيين يعبران عن الزمنين الماضي والحاضر، والكتاب مجموعة مقالات نشرها الكاتب في جريدة الوطن، ويتكون من مقدمة وثمانية فصول.يبدأ الحارثي مقدمة كتابه بالحديث عن طارق بن زياد فاتح الأندلس، وكيف أنه لم يدر بخلده أن يكون صاحب هذا الإنجاز، وهو الذي يتلألأ وجهه روحانية وإيمانا برسالة الإسلام، التي أخذت مثلها وقيمها السامية بشغاف قلبه، ورفرفت روحه الطاهرة في ملكوت الله شوقا وتلهفا للجهاد والشهادة ولقاء الأحباب في جنة الله، ويتجلى إعجاب الحارثي الكبير بالحضارة الإسلامية ورجالاتها في الأندلس عندما يصفها بأنها قصة عصر ورحلة حياة، تلخص إرادة الرجال وعزيمة الأبطال وقوة الشخصيات التي آمنت بإسلامها، واطمأنت إلى قدراتها، وتمكنت من بلوغ هذه المواقع الجغرافية البعيدة بوسائل متواضعة، وإمكانات بسيطة للغاية، ورفعت سماء ملك أشرقت أنواره على الأرض وعلومه على الإنسانية جمعاء.الفصل الأول للكتاب يحمل عنوان، برشلونة حياة أخرى، يصحبنا الكاتب خلاله في رحلة إلى المدينة الأندلسية، ويصف الحركة النشطة في مطار برشلونة، والإجراءات سهلة وميسورة، وطوابير الواصلين إليه من بقاع العالم تتحرك بسرعة، فالوعي بأهمية السائح ودوره في تنشيط الحياة الاقتصادية يدركها الإسبان، وهم يستقبلون ضيوفهم بابتسامة وترحاب وتقديم المساعدة لهم كلما كانوا بحاجة إليها، في الفصل الثاني “بلنسية .. المعمار ينطق”، يتحدث عن المعمار في الأندلس الذي تغلب عليه العمارة العربية، رغم انتمائها الجغرافي لأوروبا، ورغم الحداثة والعصرنة التي تزحف بقوة وسرعة إلى جميع مدنها، إلا أنها في الوقت نفسه تمد جسر التواصل مع الماضي، الذي يلتقي فيه البشر السائرون على مراحله الزمنية الموغلة في القدم بخلفاء بني أمية العظام وملوك الطوائف من آل عباد وذي النون وجمهور وأمراء المرابطين والموحدين، الذين أقاموا هنا وأسسوا حضارة متينة البنيان.ويعرج الحارثي بعد ذلك إلى مدينة غرناطة وفخامة الأمكنة، وكيف أنه لم يشعر بالساعات الأربع التي قضاها في الطريق من بلنسية إلى غرناطة، فالسعادة تقتل الوقت، ...كانت أرواحنا تطير فرحا بلقاء غرناطة والحمراء وآثار العرب وذكرياتهم ومواطئ جيادهم وأماكن خطتها أقدامهم وعاشتها أجسادهم، ومدافن احتضنت أجداثهم، ويقارن نجاح العرب في إدارة الأندلس بالحكم العماني في شرق إفريقيا، خصوصا فترة حكم السلطان سعيد بن سلطان والدولة العثمانية ودولة اليعاربة، باعتبارها نماذج وإسقاطات تشهد على النجاح والقوة والازدهار والمجد، والإنتاج العلمي والعمراني الباذخ. ويتجه الكاتب بنا إلى مدينة قرطبة، ويقول: في طريقنا من غرناطة بني الأحمر إلى إشبيلية ابن عباد كان الانعطاف إلى عرش الخلافة وعاصمة صقر قريش ومركز الازدهار الأندلسي والأوروبي على السواء.ويصل بنا الكاتب إلى إشبيلية وحدائق الوادي الكبير، يقول: في حارات وأزقة وحدائق إشبيلية وقصورها المنيفة، أرى طيف المعتضد العبادي وهو يستمتع بمنظر رؤوس أعدائه وخصومه المعلقة في حديقته الخاصة، والمعتمد بن عباد بطل(الزلاقة) وفارسها يطارح الشعر صديقه ونديمه أبو بكر بن عمار، وهنا على ضفاف الوادي الكبير التقى المعتمد بالرميكية التي هام بها عشقا وتحولت قصتهما إلى ملحمة حب وثقها التاريخ.ويحط الحارثي رحاله في ملقة وضوع الحضارة، يقول: أينما يمم المرء في أحضان الأندلس، مدنها، حواضرها، أقاليمها قراها معالمها وآثارها القديمة يشتم عبير الحضارة العربية الإسلامية تتضوع مسكا من الأزقة والأسواق الشعبية والحارات القديمة والحدائق الغناء والمكتبات العامرة ومؤسسات التعليم المتنوعة، وتصل الرحلة إلى منتهاها مدريد العاصمة الأوروبية التي أسسها العرب، يقول من ملقة إلى مدريد أو (مجريط) العاصمة الأوروبية الوحيدة التي تعود إلى تأسيس عربي، يصفها الحارثي قائلا: متانة الطرق وسعتها وتعدد خيارات المسافر والسائر فيها وفخامة المباني وأبهة الكاتدرائيات والقصور والعمارة القديمة، وجمال التصميم وروعة الساحات والأزقة وتشابكاتها وما تظهره من بذخ وثراء مدهشين، ومفاتن ومباهج تستدرج السائح للمزيد من التوغل والمشي والاكتشاف والتقاط الصور، وضخامة الأسواق وانتشارها وكثرة الخيارات أمام المتبضع.. هي المشاهد التي التقتطها العين واختزنها العقل، ونحن نكتشف مدريد العاصمة الإسبانية التي تعد واحدة من أهم المدن الأوروبية نشاطا وصخبا وجمالا ووجهة سياحية، ويختتم الحارثي تطوافه بالإشارة إلى دراسة للمؤرخ الإسباني إجناسيوأولاجوي تؤكد أن العرب لم يستعمروا إسبانيا.