بدأت معرفتي بالكاتب المتألق، الغزير في إنتاجه الأدبي والثقافي خاصة، الأخ محمد بن سيف الرحبي، قبل أربعة عقود تقريبا، فمن نافذة الصحف والجرائد المحلية، كانت صورته وهو في ريعان شبابه تطل على قُرَّائه ومُحبِّي مقالاته الرصينة، مُشبعة باللغة الجميلة والصياغة الأنيقة والمعلومات المفيدة، التي تتناول قضايا الشأن المحلِّي وهموم المواطن، وتحتوي على قراءات عميقة وتحليلات ورؤى دقيقة وآراء وملاحظات لا تنقصها الجرأة والشفافية، وتُقدِّم الرحبي باعتباره كاتبا بارعا وإعلاميا متميزا. فقد كانت مقالاته، وإصداراته الأدبية بعد ذلك، من النوع الذي يُتابع بشغف واهتمام من مختلف شرائح المجتمع والمسؤولين في البلاد. نمَت هذه المعرفة وتطورت إلى لقاءات مباشرة بعد ذلك، في مرحلة إدارة الأخ محمد الرحبي لـ”بيت الغشام للنشر والترجمة”، الذي طبع لي على حسابه كتابَيْنِ هما: “من زنجبار إلى دار السلام” في 2013م، و”الشورى عقود من الذكريات الجميلة”، في 2014م. وفي مرحلة ثالثة، ازدهرت العلاقة وتعمقت عبر لقاءات ومناسبات وحوارات واتصالات ومشاورات عديدة، ومواصلة “بيت الغشام”، أو “مؤسسة اللبان للنشر”، بعد ذلك، اللتين أدارهما الصديق محمد الرحبي بكل اقتدار ونجاح، بإرادته الصلبة وإيمانه بقدرات الإنسان المتميز على تحقيق أهدافه، فرأيت في هذا الكاتب الماهر، الذي لم يترك نوعا من أنواع الكتابة إلا واقتحمه فأجاد فيه، الخُلق الرفيع والتواضع الجَمَّ والتفاؤل الموضوعي والتحفيز المستمر والكلمات الرقيقة اللطيفة، يدعمه باستمرار لفيف من الأصدقاء الذين يلتفون حَوْلَه، ممَّن هم على شاكلته وخصيصته ـ طباعة ونشر إصدارات أخرى لي “إضاءات على إسهامات العُمانيين ـ الأندلس بَيْنَ زمنين، وأخيرا كورونا، العجز البشري والمصير”. قبل عدَّة أشهر وبالتحديد في بدايات شهر “يونيو”، أطلق الأخ محمد الرحبي مبادرة لافتة للانتباه، على حسابه في تويتر، تتضمن “تنظيم رحلة ثقافية سياحية إلى مصر وتشمل القاهرة والإسكندرية ورحلة نيلية بَيْنَ أسوان والأقصر... لمدة عشرة أيام، تحت إشراف “مؤسسة اللبان للنشر”، وبقيادة الرحبي، والفكرة أنها تشاركية، وليست بمفهوم المكاتب السياحية”، كباكورة لرحلات أخرى وتطواف يتواصل لوجهات تنتقى بعناية، كنت أول المتحمسين والمسجلين. فالرحلة “ثقافية ـ سياحية”، والرفيق كاتب ومثقَّف وقارئ معروف، وزار مصر عشرات المرَّات من قَبل وطاف كل حارة وزقاق ومَعْلم فيها وحفظ تفاصيل جسدها جزءا جزءا، وشارك سابقا في عشرات الفعاليات الثقافية المنتظمة في مدنها، ومن سيصحبونه ـ لا شك ـ أنهم سيكونون في مقامه، والبلد “أُم الدنيا” “المحروسة” وطن الكبار من القادة والأدباء والعلماء والمثقفين والفنانين، من أمثال زغلول وجمال عبد الناصر والعقَّاد وطه حسين والمنفلوطي والحكيم والزيَّات ومحفوظ والغزالي وشوقي والبارودي وهيكل ومحمد عبد الوهاب وحافظ وأُم كلثوم وحسن بيكار وفؤاد المهندس وعادل إمام، والمئات ممَّن لا تسعهم الصفحات، وتأثرت الأجيال العربية بفكرهم وأدبهم وإنتاجهم العلمي والفني والإعلامي... إنها مصر التي تمتلك من الثروات والصروح والمعالم الأثرية والسياحية ما لا يمتلكه غيرها في العالم، بلد المآذن والمساجد والأهرامات والمعابد والمسارح والمكتبات والأسواق والأزقة والحارات الشعبية ومآتم الأولياء والصالحين، التي تشتهر بوجود “ثلث آثار العالم فيها”، مصر التاريخ والفخامة والأُبهة والبذخ والطرفة وبساطة الإنسان وروحه المرحة اللطيفة... فمن الذي سيفوت فرصة بحجم هذه المبادرة الكبيرة التي لا تأتي إلا من قبل المتميزين من البشر؟ لتلك المحفزات “أبدى عدد كبير” من الأشخاص رغبتهم وسجلوا متشوقين للصحبة والزيارة الاستكشافية التثقيفية، فيما طالب المعلمون بتقديم الرحلة إلى أشهر الإجازة الصيفية ليتمكنوا من المشاركة، ولولا الحر الشديد في ذلك الوقت من السنة، للبَّى الرحبي طلبهم دون شك، ومع ذلك وعدهم بتنظيم رحلات خاصة بهم. منذ تلك الأيام التي طرحت فيها المبادرة، كان التنسيق مستمرا والمشاركون متفاعلين معها، والتشويق والحماس يزدادان جرعات متصاعدة، والبهجة تنمو باستمرار في انتظار الموعد المحدد لبدء الرحلة في نسختها الأولى، بمشاركة شخصيات ثقافية وإعلامية تعي قيمة المبادرة وأهميتها في تعميق المعرفة وتبادل الخبرات والإسهام في نشر الثقافة واستثمار الساعات والدقائق في زيارة المكتبات والمعالم والآثار الثقافية والتاريخية والسياحية، والمشاركة في فعاليات المسرح وعروض الأوبرا والأمسيات الثقافية الأخرى تحقيقا للأهداف المعدَّة، “السد العالي في أسوان، وضريح العقَّاد، والمعبد الشهير فيه، الحسين، السيدة زينب، والمساجد الأثرية في عصور الفاطميين والممالك، والأوزبكية والحارات الشعبية... وجلسات وفعاليات ثقافية”، وغيرها الكثير كان الرحبي يَعِدنا بزيارتها والمشاركة فيها، في تشويق لا يتوقف وتحميس يجعل من الدقائق والأيام بطيئة لا تكاد تتحرك بفعيل التوق والرغبة الجارفة للوصول إلى لحظة الانطلاق نَحْوَ القاهرة. لقد مرَّت مصر منذ العام 2011م، بأزمات وتحوُّلات سياسية واقتصادية واجتماعية عديدة، أخرت كثيرا نهضتها الاقتصادية وتقدُّمها العلمي المشروع، وكادت أن تجرف هذا البلد العربي الكبير، إلى منعطفات ومنزلقات خطيرة أشبه بما أصاب معظم البلدان العربية الأخرى التي لم تتمكن من مداواة جراحها والشفاء من اضطراباتها العميقة حتى اليوم، وكنا نعيش قلقا بالغا على الأوضاع المصرية المتقلبة خوفا من سقوطها في براثن الفوضى وفقدان التوازن، فانهيار مصر يعني ضياع العالم العربي، وبنجاحها في النهوض وتجاوز المآزق والمِحن ترتفع مؤشرات التفاؤل والاستبشار بقدرة العرب على التماثل للشفاء، والإعداد لمستقبل أكثر ازدهارا ونموا وتحقيق مشاريع الوحدة في جوانبها السياسية والاقتصادية والثقافية والقدرة من ثم، على المنافسة واللحاق بالركب الحضاري العالمي. وأيا كانت وجهات نظرنا حَوْلَ ما حدث من تطورات سياسية لاحقة لما سمي بـ”ثورات الربيع العربي” محركاتها ودوافعها وانعكاساتها، واختلاف الآراء بشأن النظام الحاكم وملابساته ومحفزاته، إلا أن معظم المصريين اليوم ينظرون إلى الغد بتفاؤل وإيجابية وإشراقة، تعززها النجاحات التنموية المتسارعة التي تحققت والمكاسب الأمنية التي توطدت والنمو الاقتصادي المتواصل والتقدم المستمر في شتى المجالات التي تحقق الازدهار للمواطن المصري الذى عانى الكثير من الفقر وشح الوظائف وتدني الدخول وغلاء المعيشة وضعف الخدمات وهشاشة البنية التحتية والهجرة إلى دول أخرى بحثا عن لقمة العيش، فيما فقد الكثيرون أرواحهم بسبب حوادث القطارات وانهيارات المباني السكنية والجوائح والأزمات والأمراض وعجز القطاعات الصحية... ويتطلع اليوم المصريون إلى غد ينقل المواطن إلى مستقبل أكثر تفاؤلا ومؤشرات تعده بعيش مزدهر، وهي واحدة من دوافع ومشجعات المشاركة في هذه الرحلة التي أسعى من بَيْنَ غاياتها كذلك، رصد التغيرات والتحوُّلات التي طرأت على هذا البلد العربي الكبير على مدى أكثر من عقد الزمن، لم أزره خلالها لأرى وأُقيِّم بنفسي وأقارن مستوى التقدم بَيْنَ زيارات سابقة واليوم، فمن رأى ليس كمن سمع.كما أن زيارة كل من أسوان والأقصر وقضاء ثلاث ليال على ظهر سفينة سياحية تمخر عباب النيل وتعرض لجمال طبيعته وفتنة ريفه وسحر مشاهدة غروب الشمس وشروقها من على صفحته المائية النهرية، واستطلاع معالم وآثار قراه ومدنه التي تطل على شواطئه من المقاصد المهمة التي شجعتني على المشاركة فالرغبة قديمة وآن لها أن تتحقق. سعود بن علي الحارثي[email protected]