من وجوه الإعجاز في القرآن الكريم (الوصل، والوقف، والسكت)، فالإعجاز في السكت، كما هو إعجازٌ في الوصل، والسكتة اللطيفة ـ كما يُسَمِّيهَا أهل التجويد ـ هي قطعُ الصوتِ، أو النفسِ زمنًا، دون زمن الوقف عادةً، ولكنْ، مِنْ غير تنفس؛ لأنه لو كان بتنفُّس لدخلْنا في معنى الوقف، لا في مفهوم السكت، وسكتاتُ القرآن الكريم أربع، وهي السكتاتُ الواجبة في القراءة التي نقرأ بها (عند حفص)، وهناك سكتتان جائزتان سنبيِّنُهما لاحقًا.ونحاول أن نتعايش مع كلِّ سكتة وردتْ في القرآن الكريم، ونتوقف عند دلالتها، وعطاءاتها اللفظية والمعنوية، وندور حول مدلولها، ووجه الإعجاز فيها من كلِّ الوجهات: الإعرابية، واللفظية والدلالية، ونكشف عن زاوية البيان، والإعجاز فيها؛ لنخرج برؤية متكاملة عن طبيعة السكت القرآني فيها، وما بثَّه من معان، وقيم، ودلالات، وما وقف خلفها من رمز، وإشارة، وما كَمَنَ في أطوائها من جمال التركيب، وجلال العبارة، ونبدأ بها مرتبة وفق ترتيب القرآن لها.أول تلك السكتات ما ورد في سورة الكهف، وهو قوله تعالى:(الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا، قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا) (الكهف 1 ـ 2)، وهنا يصف السياق هذا القرآن الكريم بمجموعة من الصفات الكريمة، منها أنه منزلٌ من عند الله، وليس فيه أيُّ عوج، وأنه قَيِّمٌ، وأنه نزل ليكون نذارة للكافرين، وبشارة للمؤمنين، وأن فيه الأجرَ الحسنَ لكلِّ موحد، وأن العاقبة الكؤود والعذاب الشديد هو لكل كافر جاحد مشرك، قال الشنقيطي في:(أضواء البيان)له:”وقوله تعالىفي هذه الآية الكريمة:”وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا”،”عوج”، أي: لم يجعل في القرآن عوجًا، أي: لا اعوجاج فيه ألبتة، لا من جهة الألفاظ، ولا من جهة المعاني، أخباره كلها صدق، وأحكامه عدل، سالم من جميع العيوب في ألفاظه، ومعانيه، وأخباره وأحكامه؛ لأن قوله:(عوجًا) نكرة في سياق النفي، فهي تعم نفي جميع أنواع العوج، فوصف القرآن الكريم بأنه مستقيم، وأنه قيم هو الذي جعل علماء السكت يضعون هنا تلك العلامة، وهي السين الصغيرة فوق (عوجًا)، فلمْ وُضِعَتْ السكتة؟، وما دلالة ذلك؟، وهل حقَّقَتْ السكتة هنا كلَّ ما جاءت له؟.بكل أكيد جاءت السكتة محققة لغايتها، دالة على جلال القرآن الكريم، وكماله في وصله، وسكته، فالفعل (جعل) هنا بمعنى (خلق) نصب مفعولًا واحدًا، أيْ: لم يخلق القرآن عوجًا في لفظه، ولا في معناه، ولا في قيمه، وتعاليمه، وأخلاقياته، وكل حقائقه، وتكاليفه، فلو وصلنا لكانت كلمة:(عوجًا) صفة للقيم، ولا يكون القيم صفة للعوج، هذا الوهم رفعه السكتُ اللطيفُ على كلمة:(عوجًا)، فكأنما هي جملة انتهتْ، وجاءت أخرى بعدها جديدة، أي وجعله قَيِّمًا مستقيمًا، فإن الوصل لو تحقق دون سكت، فإنه سيوهم أن كلمة:(قَيِّمًا) تعرب صفة لكلمة:(عِوَجًا) قبلها؛ لأن النكرة تصف النكرة، والمعرفة تصف المعرفة؛ وبالطبع، فإنه لا يستقيم أن يكون القيم صفة للمعوج بحال من الأحوال؛ ومن ثم نتعرف قيمة ما ذكره ابن هشام النحوي في (مغني اللبيب، ج 2، الصفحة534- 535) في مسائله التي أدارها حول تلك الآية، عندما توقَّف أمام ذلك السكت قال:(الثالث عشر ما حكاه بعضهم من أنه سمع شيخا يعرب لتلميذه “قَيِّمًا” من قوله تعالى: “ولم يجعل له عِوَجًا قَيِّمًا” صفة لـ”عِوَجًا”، قال: فقلتُ له: يا هذا، كيف يكون العوج قَيِّمًا؟، وتَرَحَّمْتُ على مَنْ وقف من القراء على ألف التنوين في “عِوَجًا” وقفة لطيفة دفعًا لهذا التوهم، وإنما “قَيِّمًا” حال: إما من اسم محذوف، هو وعامله، أيْ: أنزله قَيِّمًا، وإما من الكتاب، وجملة النفي معطوفة على الأول، ومعترضة على الثاني، قالوا: ولا تكون معطوفة؛ لئلا يلزم العطف على الصلة قبل كمالها، وإما من الضمير المجرور باللام إذا أعيد إلى الكتاب، لا إلى مجرور (على)، أو (جملة النفي وقَيِّمًا) حالان من الكتاب، على أن الحال يتعدد، وقياس قول الفارسي في الخبر: إنه لا يتعدد مختلفا بالإفراد والجملة أن يكون الحال كذلك.* د.جمال عبدالعزيز أحمد كلية دار العلوم ـ جامعة القاهرة - جمهورية مصر العربية[email protected]