حقوق الإنسان وحرياته ترتبط بالعديد من المجالات الحياتية المختلفة؛ السياسية منها والاقتصادية والأمنية والاجتماعية والقانونية وغير ذلك، وهي من المسائل التي أخذت حيزا واسعا من الاهتمام والعناية الوطنية والإقليمية والدولية، لما لهذا النوع من الحقوق والحريات من أهمية بالغة ومؤثرة على استقرار وأمن وسلامة الأفراد والدول من جهة، والأهم دائما أن تلك الحقوق والحريات هي جزء لا يتجزأ من حياة الإنسان وذاته واحترام حقيقة وجوده وكرامته في هذه الحياة.
إن الله أكرم الإنسان بأول حقوقه الشخصية وهو الحق في الحياة نفسها، ثم بأن جعل له المكانة والتمكين على هذه الأرض؛ لذا ـ وعلى سبيل المثال ـ ليس من المقبول أن يسلب هذا الحق أو يتم التعدي عليه إلا بحق أعظم منه مثل حق القصاص، يقول عز وجل (ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق) صدق الله العظيم. ورغم ذلك فإن الواقع الراهن أكد ذلك الاعتداء على هذا الحق بما هو أخطر وأكثر فظاعة، وهي جريمة الإبادة الجماعية أو إبادة الجنس البَشَري.
على العموم ما يهمنا في هذا الطرح هو جريمة أو جرائم محددة، أقصد الجرائم الإرهابية، وأهمية تطوير وتحديث القوانين المرتبطة بها وعلى رأسها قوانين مكافحة الإرهاب، ولا نوصي بذلك وندفع للتعجيل به إلا لوجود أسباب غاية في الأهمية، تحدثنا عنها في أكثر من كتاب وبحث ومقال سابق، نورد بعضها باختصار مثل الارتباط اللصيق والمباشر بين حقوق الإنسان وحرياته وقضايا مكافحة الإرهاب، بين تطور الجريمة الإرهابية وتأثيرها على السياسة الجنائية لمكافحة الإرهاب وانعكاس هذه الأخيرة على قضايا حقوق الإنسان وحرياته مثل القضايا القانونية والأمنية المتعلقة بالشهود والحبس الاحتياطي.
الحديث عن إعادة النظر بقوانين مكافحة الإرهاب بوجْه عام والسَّعي لتحديث وتطوير ومواءمة المسائل والقضايا المتعلقة بحقوق الإنسان وحرياته على وجه الخصوص في تلك القوانين مسألة غاية في الأهمية؛ لأنها تُمثِّل واجهة إنسانية وسياسية وقانونية لاحترام تلك الحقوق والحريات لأي نظام سياسي، ولأنها تعبِّر عن قِيَم ومبادئ دينية ووطنية من المهم للغاية الاهتمام والعناية بها، ولأن تلك القضايا مرتبطة بشكل كبير بجوانب حقوقية دولية تعهدت أغلب دول العالم باحترامها والمحافظة عليها عبر العديد من المعاهدات والمواثيق الدولية، ولكون حقوق الإنسان وحرياته باتت جزءًا مُهمًّا للغاية للمحافظة على الأمن الإنساني والاستقرار السياسي ومتطلبات الأمن الوطني لأي دولة في مختلف أرجاء العالم.
على الصعيد الوطني، وحتى لا نعيد تكرار الحديث حول أهمية وضرورة تطوير قانون مكافحة الإرهاب العُماني رقم 8 لسنة 2007 وقد أوصيت في العديد من الدراسات بضرورة إعادة النظر بهذا القانون بشكل كامل لمواكبة المتغيرات المعاصرة للجريمة الإرهابية، وقد تحدثنا عن هذا الموضوع بشكلٍ مطوَّل عبر العديد من البحوث والمقالات، مثل مقال التطورات في البيئة الأمنية المعاصرة وأهمية تأهيل وتطوير قانون الإرهاب العُماني الصادر بهذه الصحيفة بتاريخ 9 أغسطس 2020م، كذلك البحث المحكم والذي تناول دراسة قانون مكافحة الإرهاب السابق بشكلٍ كامل والمنشور بمجلة المعهد التابعة لمعهد العلمين للدراسات العليا بالعراق في العدد(2) لسنة 2020م.
على ضوء ذلك نعود اليوم لنوصي كذلك بإعادة النظر ـ في حال تم تحديث قانون مكافحة الإرهاب العُماني الحالي رقم 8 لسنة 2007 أو تمَّ سنُّ قانون جديد للإرهاب كبديل للقانون السابق ـ بأن يتم الالتفات بشكلٍ كامل إلى قضايا حقوق الإنسان والتزام بالمحافظة على الحريات للأسباب التي سبق الحديث عنها، بالإضافة إلى وجود العديد من الثغرات المتعلقة بالمواءمة بين متطلبات وضرورات الأمن والعمل الاستخباراتي الخاص بمكافحة الإرهاب في البيئة الدولية المعاصرة والتزامات حقوق الإنسان وحرياته. ومن أبرز تلك القضايا ـ وقد كتبت عنها بإسهاب كذلك ـ القضايا المتعلقة بحماية الشهود ومن في حكمهم(1 ) بالإضافة إلى الحبس الاحتياطي، وهي على سبيل المثال لا الحصر.
التزام قانون مكافحة الإرهاب في سلطنة عُمان على وجه الخصوص وبقية القوانين ذات الارتباط، والأهم الجانب التطبيقي والعملي بحقوق الإنسان وحرياته مسألة غاية في الأهمية، تعبِّر بشكلٍ مباشر عن إنسانية القانون الوطني والتزام النظام السياسي في الدولة بالحقوق بالالتزامات الدولية. وقبل هذا وذاك إن إضفاء احترام قوانين مكافحة الإرهاب والقوانين المرتبطة به مثل قانون الجزاء وقانون الإجراءات الجزائية بتلك الالتزامات الإنسانية والأخلاقية المتعلقة بحقوق الإنسان وحرياته يؤكد على مدى اهتمام النظام القانوني والعدلي لسلطنة عُمان بتطبيق تلك القِيَم والمبادئ الأخلاقية والإنسانية العقائدية والوطنية.
إذًا هذا الطرح يهدف إلى تجديد الدعوة من جديد إلى مسألتين غاية في الأهمية في ما يتعلق بقوانين مكافحة الإرهاب والقوانين المرتبطة بها في البيئة الدولية المعاصرة، أولها أهمية مواكبة قوانين مكافحة الإرهاب لتلك التطورات الدولية المعاصرة الخاصة بمكافحة الجريمة الإرهابية، خصوصا القضايا المتعلقة بالتغير والتجديد في فكر المنظمات الإرهابية والإجرامية العابرة للحدود الوطنية وعلى رأسها الجرائم التي تستغل فيها التكنولوجيا والعصر الرقمي، بالإضافة إلى أهمية مواءمة ضرورات النواحي الأمنية في مكافحة الجريمة الإرهابية، سواء تعلق ذلك بالناحية الوقائية التي تسبق وقوع الجريمة أو أثناء وقوعها أو بعد ذلك، ومتطلبات حقوق الإنسان وحرياته.
ــــــــــــــــــ
مراجع
1 ـ -محمد بن سعيد الفطيسي، قوانين وبرامج حماية الشهود ومن في حكمهم في جرائم الإرهاب بين الضرورة الأمنية والأهمية الجنائية في ضوء تحديات حقوق الإنسان، مجلة العلوم السياسية والقانون، المركز الديموقراطي العربي، ع(32) يونيو 2022


محمد بن سعيد الفطيسي
باحث في الشؤون السياسية والعلاقات الدولية
رئيس تحرير مجلة السياسي – المعهد العربي للبحوث والدراسات الاستراتيجية
[email protected]
MSHD999 @