انتهت الانتخابات التشريعية الإيطالية، انتخابات مجلس ـ النواب والشيوخ ـ والتي أجريت في 25 أيلول/سبتمبر 2022، بنتائج مفاجئة أصابت المراقبين بنوعٍ من الذهول. فقد أعلنت نتائجها التي أحدثت زلزالًا سياسيًّا جديدًا في أوروبا، جاء على وقع تصاعد الجدل حول قضايا مثل الطاقة بعد الحرب الروسية/الأوكرانية، وقبلها الهجرة عبر القوارب من شمال إفريقيا وعموم الشرق الأوسط، والتي تصاعدت حدَّتها بفعل الأزمات التي شهدتها، وما زالت منطقة الشرق الأوسط.فقد أدلى المواطنون الإيطاليون بأصواتهم في انتخابات تشريعية، تخص (51) مليون ناخب مسجلين في سجلات القوائم لممن يحق له الانتخاب، في دورة انتخابية تميَّزت بوجود (2.6) مليون ناخب يصوتون للمرة الأولى، و(4.7) مليون ناخب يعيشون خارج إيطاليا. وقد أسفرت نتائجها عن حصد الائتلاف اليميني الذي تقوده جورجيا ميلوني على نسبة (43.8%) من مقاعد مجلسي الشيوخ والنواب، في حين أن الأغلبية اللازمة لتشكيل حكومة تفرض الحصول على (40%) من مقاعد المجلسين فقط. وجاء تحالف اليسار بألوانه الفكرية في المرتبة الثانية وحصد (26%) من المقاعد، وتلاه حركة خمس نجوم عند (15.4%). وقد شهدت الانتخابات أيضًا تراجعًا في الإقبال على المشاركة من عموم الناس والمواطنين الإيطاليين، إذ بلغت نسبة التصويت والمشاركة بالانتخابات نحو (64%) في هذه الدورة التشريعية، مقارنة بـ(73%) في الدورة السابقة عام 2018، وقد تنافست في الانتخابات ثلاثة ائتلافات رئيسية وهي: ائتلاف اليمين، وائتلاف اليسار، وائتلاف الوسط، ودخلت حركة خمس نجوم منفردة، مع مشاركة أحزاب صغيرة. لذلك كانت المشاركة الحزبية تمتد على قوسٍ واسع من التشكيلات الأيديولوجية والسياسية الإيطالية، وهو ما أعطى الانتخابات زخمًا تنافسيًّا هائلًا، وترقبًا أوروبيًّا لهوفًا لرؤية النتائج وتمحصها وقراءة مدلولاتها.إن الانتخابات التشريعية الأخيرة في إيطاليا تابعتها مصادر القرار في مختلف الدول الأوربية، وتحديدًا دول الاتحاد، نظرًا لأهمية دور، وموقع، واقتصاد إيطاليا، وهي البلد الثالث في اقتصاد دول الاتحاد الأوروبي. وتمتلك ثاني أقوى جيش أوروبي بعد خروج بريطانيا من منظومة دول الاتحاد.كما توجهت الأنظار لرؤية النتائج، فهل سيختار الإيطاليون حكومة معتدلة من يسار الوسط بقيادة (إنريكو ليتا)، أم حكومة يمينية فائزة بالانتخابات بقيادة (جورجيا ميلوني)، والتي يتوقع أن تكون الوزارة الأكثر يمينية في إيطاليا منذ الحرب العالمية الثانية، بالرغم من محاولاتها ـ أي جورجيا ميلوني ـ بتجميل صورتها، وهي تمتعض من ربطها بالماضي الفاشي لإيطاليا الذي تحالف مع النازية الهتلرية في ألمانيا في السنوات التي سبقت الحرب العالمية الثانية، والتي انتهت في آب/أغسطس 1945. فهل نشهد التقدير إياه، أم لا..؟حقيقة، لقد كانت النتائج بفوز حزب (إخوان إيطاليا) اليميني المتطرف بقيادة جورجيا ميلوني، التي تسعى الآن لأن تصبح أول رئيسة وزراء في إيطاليا، حكومة ائتلافية مع حزبين آخرين من أجنحة اليمين الإيطالي وخصوصًا حليفها (ماتيو سالفيني) وحزبه الواقع أقصى اليمين. كما ويُعد حزب (فورزا إيطاليا) الذي ينتمي إلى يمين الوسط تحت قيادة رئيس الوزراء السابق (سيلفيو بيرلسكوني)، عضوًا في التحالف الذي تقوده جورجيا ميلوني.ويعتقد البعض من المراقبين أن فوز جورجيا ميلوني وحزب إخوة إيطاليا يُمثِّل رهانًا على مدى استقرار إيطاليا مع حكومة يمينية ترأسها امرأة لديها جذور فاشية، شاءت أم أبت، حيث تقول سيرتها إنها ما زالت تتبنى شعارًا قديمًا تبناه الفاشيون وهو “الرب، الوطن والعائلة”، الشعار الذي صاغه أبو الفاشية الإيطالية (بينيتو موسوليني في العام 1932) فهي معجبة ومفتونة بـ(موسوليني). وجورجيا ميلوني لا تمتلك سيرة ذاتية ولا تعليمية مُعتبرة، بل كانت تعمل ساقية في حانة، ولم تدرس دراسة جامعية على الإطلاق. وبالمقابل لم تتورط في فشل الحكومات السابقة، وتتبنى برنامجًا انتخابيًّا نظريًّا قد ينجح أو لا، ثم فإن تشكيل الحكومة واختيار كفاءات تقود وتدير علاقات إيطاليا الخارجية وأزماتها الداخلية هو الذي يقرر نجاح حزب (إخوان إيطاليا) وأول امرأة ترأس الحكومة من عدمه.وفي جانب مهم، يشهد الاقتصاد الإيطالي نهوضًا عقب جائحة (كوفيدـ19)، وكان الاتحاد الأوروبي قد وافق على أن يرسل لإيطاليا (200) مليار يورو على شكل هبات وقروض من أجل التعافي في فترة ما بعد انتشار جائحة (كوفيدـ19). وكان الأمر مشروطًا بتنفيذ إصلاحات تم الاتفاق بشأنها. لكن الآن، وكما حال عموم دول الاتحاد الأوروبي، هناك أزمة في الطاقة (وخصوصًا الغاز والنفط الأحفوري) والتي نجمت بالأساس عن الحرب الروسية الأوكرانية. والتي أدَّت إلى ارتفاع أسعار الوقود. فما زال السياسيون في إيطاليا وحتى الآن، يتجادلون حول روسيا وأوروبا، وهل يقبلون بسياسة التذيُّل للولايات المتحدة بشأن أوكرانيا، حيث تريد واشنطن من دول الاتحاد الأوروبي أن تُسهم أكثر فأكثر في دعم أوكرانيا ومعاداة روسيا، وفرض العقوبات عليها. جورجيا ميلوني تدعم وتساند العقوبات الغربية على روسيا، بالرغم من أنها خففت من لهجتها مؤخرًا، بل عدَّت “أن العقوبات الغربية على روسيا تضر باقتصاد وصناعة إيطاليا”. وأكثر من ذلك فإن بعض قادة الأحزاب المحسوبة على اليسار ويسار الوسط يرفضون التورط بالموضوع الروسي الأوكراني، وقال بعضهم مؤخرًا إن “الرئيس فلاديمير بوتين قد تم دفعه للحرب”، بل وصرح قائلًا: “على أوروبا محاولة إقناع أوكرانيا بقبول طلبات بوتين. العقوبات الغربية على روسيا، كونها غير مجدية ولا تصبُّ إلا في صالح روسيا”.الشعب الإيطالي محبٌّ وودود تجاه الشعب العربي الفلسطيني، وقضيته العادلة، فهل سنشهد سياسات إيطالية جديدة ومستجدة مع رئيسة الوزراء المتوقع ترؤسها جورجيا ميلوني، على صعيد الصراع مع الاحتلال “الإسرائيلي” وسياسات دولة الاحتلال بحق الفلسطينيين...؟ علي بدوانكاتب فلسطينيعضو اتحاد الكتاب العربدمشق ـ اليرموك[email protected]