لذا أرى ـ رغم فهمي القاصر ـ أن الحل الأول الذي يجب أن ينفذه الرئيس عباس، هو حل تلك السلطة وإلقاء الكرة كاملة في ملعب كيان الاحتلال، الذي سيجد نفسه في مواجهة الشعب الفلسطيني.. لا أدري لماذا أصابتني تلك الصدمة الكبيرة عند خطاب الرئيس الفلسطيني محمود عباس أمام الأمم المُتَّحدة، ودعوته للعودة لقرار التقسيم رقم 181، والذي كان بداية الكارثة التي أصابت الشعب الفلسطيني، والذي رغم انحيازه الكامل لليهود في الأراضي الفلسطينية، إلا أنه كان ولا يزال حبرا على ورق، ولم يلتزم بما جاء فيه سلطة الانتداب البريطانية، أو العصابات الصهيونية التي أنتجتها الدول المنتصرة في الحرب العالمية الثانية. ورغم ذلك وتحت الضغوط يخرج الرئيس الفلسطيني للتمسك بذلك القرار الذي يضع مدينة القدس وبيت لحم تحت السيادة الدولية، ليتراجع الفلسطينيون عن مطالبهم المشروعة في القدس الشرقية كعاصمة للدولة الفلسطينية، ما أراه تراجعا ملحوظا عن الطموحات الفلسطينية، التي باتت تتقلص بالتوازي مع التواطؤ والصمت الدولي، اللذين كانا ولا يزالان أيضا سببا رئيسيا فيما وصلنا إليه من تنامي الأطماع الصهوينية، وتزايد آلة البطش، وسط تغاضٍ دولي متعمد.قد تكون تلك الدعوة العباسية مناورة فلسطينية تسعى إلى أطروحات جديدة لحلحلة الصراع الذي يُعد الأطوال في التاريخ الحديث، والذي يراوح مكانه منذ عقود طويلة، وسط مساعٍ من دولة الاحتلال الإسرائيلي على سرقة المزيد من الأراضي الفلسطينية، وطرد وتشريد الآلاف الفلسطينيين لإحداث تغيير ديموجرافي لصالح قطعان الاستيطان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، واستخدام كافة الأدوات القمعية والإرهابية لتحقيق تلك الأهداف، لتكون تلك الدعوة كحجر يحدث جلبة في المياه الراكدة لعقود، أو يسعى لكبح التسارع في تنفيذ المخططات الصهيونية، عبر تحقيق الاعتراف بالدولة الفلسطينية وضمها للأمم المُتَّحدة من جهة، ودفع القدس التي باتت تسرق بشكلٍ يومي تقريبا لطريق التدويل، الذي قد يحافظ على حقوق المقدسيين في مدينتهم، حتى وإن خرجوا من تحت السيادة الفلسطينية غير الموجودة على أرض الواقع، هل هي مناورة يائسة، تسعى للحفاظ على البقية الباقية من الحقوق الفلسطينية المسلوبة، متلحفة بقرار أممي خرج من رحم النسيان.وبرغم محاولة سوق كافة تلك المبررات، إلا أن العقل يقف جامدا رافضا لتلك المناورة أو الخطوة اليائسة، فالواقع يؤكد أن تلك القرارات الأممية لم تعرها دولة الاحتلال الإسرائيلي أي اهتمام، ولم تكن يوما عقبة في وجه هذا الكيان الصهيوني الغاصب، لذا فاللجوء إليها هو تراجع فلسطيني عن الحقوق، أكثر ما هو تدوير للحلول، فتلك الحلول المطروحة لم تكن يوما ما عائقا في تنفيذ كيان الاحتلال لمخططاته، فالاحتلال كان يشن الهجمات على القرى الفلسطينية، عندما اتخذ هذا القرار، وعمل على ارتكاب مذابح شكلت وصمة عار في جبين الإنسانية، وسيظل التاريخ واقفا أمام هذا التواطؤ الدولي، ليؤكد عوار المنظومة الأممية بكافة قراراتها، وخصوصا مجلس الأمن الذي كان بفضل (الفيتو)، أفضل داعم لدولة الاحتلال والدافع الأكبر لها في الاستمرار في جرائمها الكبرى، والتي لم ولن يجرؤ أحد في المستقبل القريب أو الماضي البعيد على محاسبتها عليها.لذا أرى ـ رغم فهمي القاصر ـ أن الحل الأول الذي يجب أن ينفذه الرئيس عباس، هو حل تلك السلطة وإلقاء الكرة كاملة في ملعب كيان الاحتلال، الذي سيجد نفسه في مواجهة الشعب الفلسطيني، دون التزامات أوسلو التي أضرت بالقضية أكثر ما قدمت لها الفائدة، فالتحلل من أعباء أوسلو بداية الطريق لإيجاد حل جذري يعتمد على الثوابت الفلسطينية، دون خيارات أو حلول تنتقص منها، وتضعها في مهب الريح. فالشعب الفلسطيني يستطيع أن يجدد أشكال نضاله المتنوعة، بدون وجود سلطة تفرقه، بل سيكون للثوابت التاريخية دور ملهم في جمع شمل أبناء فلسطين في طريق النضال الساعي لاسترجاع كافة الحقوق المسلوبة، ووضع الجميع بدءا من سلطة الاحتلال، والعالم أمام أعبائه، وهو طرح لوَّح به الرئيس الفلسطيني بالفعل أكثر من مرة، ولا أدري ماذا يحول بينه وبين تنفيذه على أرض الواقع؟ إبراهيم بدوي[email protected]