سعدت بالمشاركة في الندوة التي نظمتها لجنة كتاب وأدباء شمال الباطنة الأسبوع الماضي والمعنونة باسم (أدب الرحلات في سلطنة عُمان)، والتي شارك فيها الرحالة بدر الوهيبي والنحات والتشكيلي الدكتور علي الجابري، والتي فتحت آفاقا رائعة للحديث حول كل ما يتعلق بالسفر والترحال وعلاقة الفن بالسفر وحاجتنا للتوثيق، سواء بالطريقة العادية أو بالأسلوب الأدبي وغيرها من المواضيع المتنوعة.
إن الترحال عالم رائع لا يدرك كنهه إلا من سبر أغواره، والأجمل من ذلك أن يوثق ذلك العالم حتى يستفيد منه الآخرون، لا أن يترك للنسيان الذي ـ بلا شك ـ لن يسهم في تطويره وتقدمه، وقد قدمت الندوة المذكورة أسلوبين للتوثيق، ولكن ـ بلا شك ـ هنالك أساليب أخرى يجب الوقوف عندها والاستفادة منها.
لقد كان الترحال عبر اللقاءات ممتعا عندما حاورت ضيفي هذه الفعالية، لقد شعرت أنني أرحل في عوالم جديدة، عوالم مختلفة، فبدر الوهيبي رحالة يشار له بالبنان، سافر إلى أكثر من 45 وجهة دون حساب تكرار زيارته لهذه الوجهات، رحالة استطاع أن يجعل من السفر ثيمة مميزة، ولم يكتفِ بذلك الترحال العادي، بل أبى إلا أن يشاركنا شغفه من خلال تأليف كتب مميزة عن هذه الرحلات، هنا أجدني أغبطه حقا على هذا الجهد، وفي خلال سنوات معدودة لا تتجاوز الثلاث سنوات، استطاع من خلالها أن يصنع له اسما كبيرا في عالم أدب الرحلات، ربما تجرنا تجربة بدر الوهيبي إلى أهمية أن نهتم بعملية التوثيق في كل المجالات وليس في الترحال فقط، وأن هنالك في الواقع جمهورا يقرأ ويتلقف المفيد والجديد، وخصوصا تلك التجارب الحية والجديدة بعيدا عن التنظير الممل، الذي لا يجد فيه القارئ أي متعة تذكر.
وفي الجانب الآخر كان المميز دائما الدكتور علي الجابري، الذي قدم وما زال يقدم تجربة ناجحة يجب أن نتوقف عندها كثيرا، وهي تجربة الترحال الفني وتوظيف إمكاناته الكبيرة في مجال النحت للترويج للسياحة عبر هذه الفنون، فكما يصف دائما في حواراته بأن الفن هو من وثق الأحداث والتواريخ، ويدلل دائما بأن المنحوتات بشتى صورها وأشكالها وأحجامها هي من حفظ تاريخ البشرية منذ الأزل، ورغم أهمية هذا النوع من الترحال في الترويج السياحي، إلا أنه ما زال بعيدا عن التركيز الإعلامي، ربما يبرر الجابري ذلك بأنه سفر النخبة، ولكن قد أتفق معه في جزء، وأختلف معه في أجزاء أخرى. فالمنحوتات وحتى لو لم يكن المسافر مهتما بها وبتفاصيلها، لكن مجرد وجودها هو من يعطي أهمية للمكان حتى ولو لم تكن لدى المسافر أي معلومة عن هذا المنجز النحتي. وهنا ندرك مثلا، عندما نسافر مثلا لباريس أن أول شيء يدور في خلدنا هو منحوتة برج إيفل حتى ولو لم نكن نفقه أهمية ذلك. لقد أسهم الجابري وما زال في تقديم تحف فنية رائعة، سواء على الصعيد المحلي والعربي والعالمي. والحقيقة إنه نابغة في هذا المجال، تقف مشدوها لإنجازاته التي أتمنى أن تأخذ حقها من الاهتمام الحكومي.
أؤمن دائما أن اللقاءات هي فرص للقاءات أخرى متجددة، وأن من يتقوقع في مكانه لن يصل إلى مكان آخر، بل سيظل حبيسا لا يدرك ما يدور حوله، واللقاءات هي إحدى الوسائل التي يستخدمها الرحالة عندما يشد متاعه للسفر، والسفر هنا ليس شرطا أن يكون لمسافات بعيدة، فحتى في الولاية الواحدة يمكننا أن نسافر، يمكننا أن نلتقي، وبالتالي نصنع فرصا جديدة للتعارف ولتبادل الخبرات والحكايات، وبالتالي ننمو معرفيا وتتراكم خبراتنا وتسمو نفوسنا.


د. خصيب بن عبدالله القريني
[email protected]