إن المسار الكفاحي بين فلسطين المحتلة والجولان المحتل، مسار واحد، حيث الترابط في الفعل والعمل في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي، ومواجهة محاولات «الأسرلة» للمواطنين العرب الصامدين، وتأكيد الهوية والانتماء العربي.


في ظل الحرب المستعرة التي تخوضها “إسرائيل”، بالقيام بغاراتٍ على الكثير من المناطق السورية من حين لآخر، بما فيها المناطق الواقعة بريف دمشق، والجنوب السوري، في ظل ذلك يستخدم الطيران الحربي “الإسرائيلي” سماء الجولان المحتل للتحليق وإطلاق الصواريخ من الطائرات، تجاه الأهداف التي يبتغيها دون الدخول للأجواء السورية. وكذلك عند استهداف مناطق شمال سوريا وحلب حين تحليق طائرات الاحتلال في أجواء البحر المتوسط. وتطلق صواريخها البعيدة المدى على المراكز المستهدفة.
“إسرائيل” تعمل وتشتغل، وفق تكتيك “الأكورديون” حين تتحرك من عملها العسكري ذهابًا وإيابًا، مرة ضد قطاع غزة إلى الضفة الغربية، وإلى سورية... وهكذا. فماذا يعني كل ذلك..؟
إن المعنى أن دولة الاحتلال الإسرائيلي تستهدف أكثر من طرفٍ عربي، إضافة لاستهداف الفلسطينيين بالداخل وعموم فلسطين المحتلة كل يوم. وهنا نتحدث عن الكفاح الوطني الفلسطيني، الذي لا يُمكن أن نتجاوز ترابطه الوطني والقومي مع كفاح الجولان ومن تبقى من أهله الصامدين على أرضه وترابه الوطني من العرب السوريين في قرة وبلدات (مجدل شمس، وبقعاتا، ومسعدة، وعين قنية، والغجر)... الذين ما زالوا حتى الآن في حرب الوجود اليومي بمواجهة الاحتلال. فسلطات الاحتلال الإسرائيلي لم تستطع رغم جبروتها كسر إرادة أهالي الجولان، رغم قيامها باعتقال ما نسبته (20%) من مواطني الجولان المحتل خلال سنوات الاحتلال الطويلة، وقد استشهد الكثير منهم في سجون الاحتلال.
تاريخ الكفاح الوطني للشعب العربي السوري على أرض الجولان يمتد عميقًا منذ أيام الاستعمار الفرنسي، وصولًا للسنوات التي سبقت حرب حزيران/يونيو 1967 عندما كانت الجبهة السورية مع فلسطين المحتلة ميدانًا للاشتباك اليومي مع العدو “الإسرائيلي”، حيث سَطَّرت قوات المقاومة الشعبية التي جرى تشكيلها من أبناء الجولان، أروع صفحات الصمود في المعارك اليومية على شواطئ بحيرة طبرية، وعلى امتداد خط الهدنة بين فلسطين المحتلة وسوريا الأم، باعتبار فلسطين إقليمًا من أقاليم بلاد الشام.
وبعد العام 1967 تواصل كفاح أبناء الجولان، وتصاعد مع إقرار الكنيست الصهيوني لقانون الضم في 14/12/1981، وفي حينها أصدر مجلس الأمن الدولي وبالإجماع القرار الرقم 497 تاريخ 19/12/1981، وفيه يقرر “أن القرار الذي اتخذته إسرائيل بفرض وقوانينها وتشريعاتها ونظمها الإدارية على الجولان المحتل يُعدُّ باطلًا وكأنه لم يكن، وعديم الأثر قانونيًّا على الصعيد الدولي”.
وبالضرورة فإن قانون الضمِّ الإلحاقي القسري للهضبة السورية المحتلة، ووجه بالرفض والاستنكار من قبل الجولانيين الواقعين تحت الاحتلال، الذين أعلنوا الإضراب الشامل في 16/13/1981 وأصدروا في حينها الوثيقة الوطنية التاريخية لمواطني الهضبة العربية السورية المحتلة، وفيها يعلنون “التأكيد على عروبة وسورية هضبة الجولان، وتمسك سكانها بانتمائهم إلى الوطن الأم سوريا، حيث أشارت الوثيقة إلى أن الجنسية العربية السورية لا تزال صفة ملازمة لأبناء الجولان تنتقل من الآباء إلى الأجداد. كما في رفضهم “الهوية الإسرائيلية”، حين أشارت الوثيقة إلى أن كل من “يتجنس بالجنسية الإسرائيلية أو يخرج عن مضمون الوثيقة الوطنية يكون مجحودًا مطرودًا، ويحرم التعامل معه”.
وفي هذا السياق فإن حركة المقاومة الشعبية السورية من قبل أبناء الهضبة للاحتلال الصهيوني، قد اتخذت أشكالًا مختلفة من المقاومة الشعبية السلمية، إلى الإضرابات والاعتصامات والعمل التعبوي، إلى العمل المسلح، وذلك تبعًا للظروف والواقع المعاش الذي حكم ويحكم وجود من تبقى من أبناء الجولان بعد عملية التطهير العرقي الإحلالي الإجلائي الصهيوني عام 1967. ويُمكن أن نلحظ نشوء الحركة الفدائية التي حملت اسم حركة المقاومة السرية السورية عام 1983، التي نفذت أولى عملياتها الفدائية من خلال تدمير مستودعات الأسلحة والذخائر العائدة لجيش الاحتلال في مستعمرة (نفي أطيف) قرب بلدة (جباتا الزيت)، وتل الريحان، على حدود بلدة (مجدل شمس)، وتفجير موقع إمداد “إسرائيلي” قرب (بئر الحديد) في منطقة (بقعاتا)، حيث تم تدمير 2000 صاروخ مضاد للآليات، والآلاف من قذائف الدبابات وفق “المصادر الإسرائيلية” في حينها. وعمليًّا تم إجهاض حركة المقاومة المسلحة بعد عامين من نشوئها بعد سلسلة القمع الرهيبة التي تم تسليطها من قبل جيش الاحتلال ضد أبناء الهضبة السورية المحتلة، ووقوع قادة الحركة مثل هايل حسين حمدان أبوزيد، وأمل أحمد عويدات أسرى خلف زنازين جيش الاحتلال، وإبعاد آخرين، واستشهاد عددٍ من المواطنين السوريين منهم غالية فرحات.
لقد سطر الجولانيون وما زالوا بصمودهم اليومي، صفحات المقاومة بأشكالها الممكنة في مواجهة الاحتلال: بالإضرابات الدائمة، والتمسك بالهوية العربية السورية والانتماء، وإسقاط رهانات الاحتلال. وعليه، كان لقيام (حركة المقاومة السرية) في الجولان عام 1983، نقطة تحوُّل في مسار المواجهة مع الاحتلال بقيادة مدحت صالح، وهايل أبو زيد، وصدقي المقت، وسيطان الولي، وعاصم الولي، وعصام أبو زيد، وعصمت المقت، وأيمن أبو جبل، وزياد أبو جبل... وغيرهم.
إن المسار الكفاحي بين فلسطين المحتلة والجولان المحتل، مسار واحد، حيث الترابط في الفعل والعمل في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي، ومواجهة محاولات “الأسرلة” للمواطنين العرب الصامدين، وتأكيد الهوية والانتماء العربي. ورفض وجود المستعمرات التي زرعتها الحركة الصهيونية، ومنها نحو (32) مستعمرة فوق الأرض السورية المحتلة بالجولان، وأكبرها مستعمرة “كتسرين” التي أقامها جيش الاحتلال وسط الجولان وإلى الجنوب منها. ومع هذا ورغم كل حملات التهويد والاستيطان وتقديم الرزم السخية لليهود الذين يريدون الإقامة في مستعمرات الجولان، فإن أعدادهم لا تتعدى الأربعين ألفًا، رغم مشروع الطموح “الإسرائيلي” بزرع نحو نصف مليون مستوطن يهودي فوق أرض الجولان المحتل.

علي بدوان
كاتب فلسطيني
عضو اتحاد الكتاب العرب
دمشق ـ اليرموك
[email protected]