إذ يلاحظ خلال السنوات القليلة الماضية تعاظم حجم وحدة لغة الكراهية والتعصب والتعدي على الدين الإسلامي من قبل سياسيين وشخوص لهم مكانتهم واعتباراتهم العلمية والاجتماعية والدينية في بلدانهم وبين أقوامهم وعقائدهم..

قال سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي المفتي العام لسلطنة عُمان، في حديث له قبل أسابيع بأن “كثرة التطاول على مقام الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم، وعلى حرمات الدين الحنيف ليست ناشئة إلا عن الاستخفاف بأُمَّة الإسلام: بسبب تفرقها وفقدان الوحدة الايمانية التي تجمعها، وتجعل كل عدوٍّ لها يحسب لها ألف حساب...”. وهو تعبير دقيق وتحليل عميق ورؤية معبأة بالصدق للواقع الذي تعيشه الأُمَّة الإسلامية وما يحدث لها أو تتسبب فيه هي ذاتها، من مآسٍ وكوارث يقودها شيئا فشيئا إلى تداعي أساسات مَجدها ودعامات تاريخها الحضاري المجيد، وتهاوي صروح ما كان يوما مدعاة للفخر والتباهي ومشعلا للتقدم والقيادة وحافزا للإنتاج العلمي والمعرفي الغزير، ونموذجا وملهما اقتبست منه الأمم والشعوب ما أسهم في نهضتها ورفعة شأنها وتحقيق تطلعاتها في بلوغ التقدم... قَيَم الأُمَّة ومحتوى ثقافتها ومبادئ دينها الإسلامي ورموزها وشخصياتها الدينية والعلمية وإسهامها المعرفي الواسع، التي تُشكِّل النموذج والقدوة والمُثل... إخفاقات وتداعيات وانهيارات متتابعة تسببت فيها هذه الأُمَّة بنفسها، بتهاونها وتمزقها وتخليها عن الجوهر للحصول على القشر، والتدافع وضيق الأفق والأنانية لتحقيق كل فئة وشريحة ونظام سياسي وحزب ومذهب وإمارة صغيرة... لمصالحها الشخصية وضمان بقائها ونفوذها في محيطها على حساب مصلحة الأُمَّة وأمنها واستقرارها وتقدمها وأسباب قوَّتها، والتحالف والاتفاق والثقة بالأجنبي والغريب والبعيد، لمحاربة ومهاجمة والتآمر والتضييق ومحاصرة القريب الذي تربطنا به روابط مشتركة عميقة في العرق واللغة والجغرافيا والعقيدة ومصالح عديدة لا حصر لها. وبسبب تجاهلنا وإهمالنا الأسباب والدوافع والمحفزات الضامنة لحدوث التقدم والتطور وبلوغنا لمصاف البلدان القوية، فرطنا في إصلاح التعليم وتقويم مناهجه وتطوير أساليبه ووسائله، وقصرنا في حق شباب الأُمَّة، فأسلمناهم للجهل والبحث عن عمل وأشغلناهم بمشاكلهم وهمومهم وقزمنا أدوارهم ودورهم في التنمية والبناء والتطوير، وفتحنا لهم سبل الهجرة وكرهناهم في أوطانهم فبحثوا عن بدائل في مشارق الأرض ومغاربها... وأهديناهم للآخرين يعمرون أرضهم وينمون تجارتهم وينشطون أسواقهم ويشغلون ويطورون مصانعهم، ويرفعون شأنهم ويسهمون في تقدمهم بالعمل والأفكار والإبداع والابتكار... وتهاونا في كل ما من شأنه تحقيق طموحات وتطلعات أبناء الأُمَّة ومجتمعاتها في اللحاق بالركب الحضاري ومسايرة الأمم المتقدمة، من مثل دعم مراكز البحث العلمي واحتضان المواهب والاستثمار في المعرفة والتكنولوجيا والتصنيع والذكاء الاصطناعي وتحقيق طموحات الشباب واستيعاب إمكاناتهم واستثمار قدراتهم... ووأدنا كل المشاريع الوحدوية الكبرى التي تضمن تأسيس وبناء ونمو اتحاد ووحدة وقوة العالمين العربي والإسلامي، واستعضنا عنها بمحاربة ومنافسة بعضنا بعضا والتآمر على أنفسنا، وتدمير حضارتنا ومدننا وبنيتنا التحتية وتكريس كل أشكال التخلف والجهل والفقر والاعتماد على الغير في مأكلنا ومشربنا وملبسنا وتسيير شؤون حياتنا وتحولنا إلى عالة نستهلك ما تنتجه الأمم والدول الأخرى... فمن الملام والمسؤول عن الحالة التي وصلنا إلينا والأوضاع المأساوية التي بلغناها؟ ولماذا نلوم الآخرين فيما انتهى إليه أمرنا من هوان وازدراء واحتقار طالت شخصياتنا ورموزنا ومقدساتنا الدينية؟ إذ يلاحظ خلال السنوات القليلة الماضية تعاظم حجم وحدة لغة الكراهية والتعصب والتعدي على الدين الإسلامي من قبل سياسيين وشخوص لهم مكانتهم واعتباراتهم العلمية والاجتماعية والدينية في بلدانهم وبين أقوامهم وعقائدهم... وبالأخص في دول الاتحاد الأوروبي والهند أخيرا، وذلك بالتطاول والمس والتهجم على الإسلام وكتاب الله الكريم والرسول محمد صلى الله عليه وسلم بممارسات مستهجنة وغير مقبولة؛ لكونها تتعارض وتتقاطع مع روح التسامح وقِيَم التعايش والخُلق الإنساني الطبيعي، وتشيع لغة الكراهية وتعمق مشاعر التعصب والمواقف المنحازة المهينة بحق الآخر، وتحقير عقيدته وإهانة رموزه وشعائره الدينية، كالرسوم الكاريكاتيرية المسيئة وحرق نسخ من القرآن الكريم، والإساءة إلى الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، وسبِّ وشتم المسلمين وإلقاء التُّهم جزافا عليهم وعلى محتوى رسالة دينهم، وهو ذاته ما تدينه وتحاربه الدول الغربية وتجعل منه سندا وحجة ومبررا لمعاداة أنظمة وبلدان ومنظمات وشعوب، وسبيلا ومدخلا للتدخل في شؤونها والهيمنة عليها وفرض العقوبات الاقتصادية ومحاصرتها بطرق ووسائل متعددة تصل إلى مستوى التدخل العسكري... فلماذا لا تلزم سياسييها وشخصياتها بهذه القِيَم والمبادئ في تعاملها مع الإسلام واحترام المسلمين وتقدير رموزهم وشعائرهم ومعتقداتهم الدينية، لتصبح المعاملة بالمِثل وقائمة على العدل والإنصاف والاحترام المتبادل؟ ولماذا يتواصل مسلسل الإساءة والتهجم على الإسلام ورموزه ومحاولة النيل من شخصياته وإهانة أكثر من مليون مسلم على وجه الأرض دون مراعاة أو شعور بخوف وخجل وعار من هكذا تصرفات غير حضارية تتنافى مع أبسط قواعد الأخلاق والقِيَم الإنسانية الرفيعة والأعراف والمُثل التي صاغت القوانين ونظم التعامل بين الدول والشعوب والأعراق والأديان القائمة على الاحترام والاتصال والتحاور والتفاهم والتعايش والتسامح...؟ ولماذا كلما تعمقت وسائل ووسائط وطرق التواصل بين البشر وانفتح العالم على بعضه وتداخلت شبكات المصالح، وارتفعت نسبة التبادل التجاري والاتفاقات والأعمال والاستثمارات بين الدول وأصبحت قِيَم العولمة واقعا لا يمكن تجاهله وتجاوزه، ظهرت أصوات شاذة وشخوص نشاز تهاجم الإسلام وتسيء إلى الرسول الكريم وكتاب الله المجيد...؟ لا شك أن لذلك أسبابا عديدة فصَّلها وكتب عنها الكثيرون، والمسلمون كما قال سماحة الشيخ المفتي، يتحملون الكثير من المسؤولية لهذا الواقع المؤلم والخطير على مستقبل الأُمَّة، من بين هذه الأسباب التي صنعناها ورسخناها في فكر وثقافة الآخر، التصرفات والممارسات المشينة وسوء التعامل التي يقوم بها ويفعلها ويأتي بها عدد ليس بالقليل من المسلمين في تعاملاتهم وسلوكياتهم وأفعالهم، تتعارض في مضامينها ومحتواها مع قِيَم ورسالة وروح الإسلام وأخلاق الرسول صلى الله عليه وسلم المتمثلة في العدل والصدق والمروءة والرحمة والتسامح والخلق الرفيع... ـ لغة الخطاب المتشنجة والمتعصبة والأعمال الإرهابية التي تقتل وتضر المسلمين قبل غيرهم والتي تجاوزت المعقول والمنطق وطالت حتى المصلين في المساجد والأطفال والنساء والعجائز في منازلهم... ـ الصراعات والتعصب المذهبي وتكفير المذاهب الإسلامية لبعضها البعض في مسلسل بغيض يمتد لقرون من الزمن ولا تزال لغته القميئة ودعواته الخبيثة تطل علينا بوجهها القبيح دون مراعاة وتقييم للكوارث التي تسببت فيها للأمة الإسلامية عبر التاريخ، وتعدد المرجعيات والمؤسسات الإسلامية على ما بينها من خلافات وانقسامات عميقة، وجهل الآخر بأي منها الممثل الحقيقي والرسمي المعتمد والمعتبر والمعبر للإسلام ومن يمكن التعامل معه... ـ الحروب التي يشنها العرب والمسلمون على بعضهم البعض وما خلَّفته من مذابح وعاهات وكوارث وتدمير، تبوح مآسيها وتسيل آلامها في اليمن ولبنان وسوريا وليبيا والصومال والعراق وأفغانستان... ـ التناقض بين القول والعمل التنظير والتنفيذ من قبل المسلمين في تصرفاتهم، واستثمار وتحوير أو صناعة نص جديد لخدمة مصالح الحكام والساسة وضمان بقائهم في تحالف واضح بين المؤسستين السياسية والدينية لخدمة نفوذ أعضائها. لكل هذه الأسباب ستستمر الهجمة الشرسة على الإسلام والمسلمين والتهاون بهم والتطاول على رموزنا وشخصياتنا الدينية إن لم نبادر سريعا إلى تقييم وتقويم أوضاعنا ونقد أنفسنا وإصلاح شأننا ومعالجة مشكلاتنا وتحقيق وحدتنا... وفي مقدمة ذلك إنشاء مؤسسة دينية تُمثِّل وتتحدث عن المسلمين جميعا بمختلف مذاهبهم وتوجهاتهم ومشاربهم والدفاع عن مصالحهم ممثلة لجميع الدول والمذاهب والأعراق والشعوب الإسلامية، لا غاية لها إلا مصالح الأُمَّة ولا هدف إلا ضمان تقدمها وتحقيق وحدتها.


سعود بن علي الحارثي
[email protected]