لقد بدأ جورباتشوف حركة التغيير في الاتحاد السوفيتي السابق مع تسلمه الرئاسة بعد وفاة الرئيس الروسي السابق قسطنطين تشريننكو. بإطلاق أفكاره المتعلقة بعناوين مُختلفة، وأهمها «إعادة البناء» (البروسترويكا). والمكاشفة (الجلاسنوست). وطرح مسألة وقف سباق التسلُّح مع الغرب..رحل ميخائيل جورباتشوف، آخر رئيس للاتحاد السوفيتي السابق، بعد أن تم في عهده تفكك الإمبراطورية السوفيتية، وانهيار منظومة حلف “فرصوفيا” (حلف وارسو) في 26/12/1991. فكان الرجل الذي أهال التراب على تلك الإمبراطورية، بل فتح المجال أم بروز القطبية الأحادية مع تفكك حلف فرصوفيا (وارسو)، تلك القطبية الواحدة التي مثلتها الولايات المتحدة الأميركية حتى العام 2000 تقريبًا، وبعدها بدأت روسيا وريثة الاتحاد السوفيتي السابق، باستعادة نفسها، وعملت على تشكيل التكتل والتحالف القوي مع الصين الشعبية لكسر الأحادية القطبية، بل وفتحت الطريق لبناء منظومات دولية مؤثرة منها مجموعة (بريكس) التي تضم الصين الشعبية والهند وجنوب إفريقيا والبرازيل.لقد بدأ جورباتشوف حركة التغيير في الاتحاد السوفيتي السابق مع تسلمه الرئاسة بعد وفاة الرئيس الروسي السابق قسطنطين تشريننكو. بإطلاق أفكاره المتعلقة بعناوين مُختلفة، وأهمها “إعادة البناء” (البروسترويكا). والمكاشفة (الجلاسنوست). وطرح مسألة وقف سباق التسلُّح مع الغرب، والانسحاب من أفغانستان، واستشراف إمكانية تجاوز الحرب الباردة. وانقسم الناس في تلك البلاد إثر ذلك بين من يُثمّن شروعه في الإصلاح (البروسترويكا والجلاسنوست)، وثمنوا خطواته تجاه عناوين معينة، ومنها ما قاله (ديمتري موراتوف) الحائز على جائزة نوبل، إنَّ “جورباتشوف قدم للبلد والعالم هدية رائعة، فقد أعطانا ثلاثين عامًا من السلام. بدون تهديد حرب عالمية ونووية”. وبين من يرى أن الأعمال بنتائجها وليس بنياتها المعلنة، لذلك بقي وما زال من شيطن نيات جورباتشوف من الأساس. بينما الغالبية تقريبًا من الشعب الروسي الآن، وبعد الحرب مع أوكرانيا، بدأت أصواتها تتواتر بأن جورباتشوف هو الجاني الرئيسي في انهيار الاتحاد السوفيتي، بما في ذلك الصراع الحالي في أوكرانيا. ومتهم عندها ببيع أوروبا الشرقية للغرب بدءًا من العدوان على يوغوسلافيا وصولًا لما جرى من حروب في منطقة الخليج والعراق، والجمهوريات السوفيتية السابقة مثل أرمينيا وأذربيجان...إلخ تلك الحرب التي زهقت خلالها دماء الألوف من البشر.تأثيرات توجُّهات جورباتشوف، تركت آثارها الفاقعة على الحالة الحزبية اليسارية العربية، وحال تلك الأحزاب التي كانت تدور في فلك موسكو، وقد أضحى شعاري البروسترويكا والجلاسنوست، بمثابة الموديل في تلك الفترة عند تلك الأحزاب، والتي بدأت تتحدث وتُنَظّر لمفهوم البروسترويكا والجلاسنوست. تلك التي استغلها (بوريس يلتسين ـ ملاحظة كان يلتسين مسؤول الحزب الشيوعي السوفيتي في موسكو)، أول رئيس لروسيا بعد تفكك الاتحاد السوفيتي في رسم سياسته الداخلية التي كان يعمل لها، خصوصًا في المضمار الاقتصادي، فسادت الفوضى في الاقتصاد في عام 1988، عندما بدأ انتقال الشركات المملوكة للدولة إلى التمويل الذاتي في الاتحاد السوفيتي، وفي الواقع، إضفاء الشرعية على الأعمال التجارية الصغيرة تحت ستار التعاونيات.وبعد تلك السنوات المديدة من انهيار الاتحاد السوفيتي، خاب ظن ميخائيل جورباتشوف، وسقطت مواقفه، وسقط شعارا البروسترويكا والجلاسنوست، وتحوَّلا إلى عملية استخدامية فقط من قبل (بوريس يلتسين) والغرب عمومًا، خصوصًا الولايات المتحدة الأميركية، بانحدار دفع روسيا إلى القاع في تلك الفترة وحتى العام 2000 تقريبًا. وهو ما يدفعنا للقول: “يبدو بأن حالة من النقص في وعي الأحداث، واتجاهاتها القادمة سيطرت على جورباتشوف، وزادت مع الفوضى والارتباكات في البلاد”، وذلك بحسب رأي عدد من الذين كانوا من المقربين إليه. لذلك دفع التأزم الداخلي السوفيتي جورباتشوف للتنازل خارجيًّا لواشنطن عام 1987 بعد سنتين من إطلاقة (البروسترويكا)، فكانت معالم هزيمة موسكو أمام واشنطن تتضح حتى بروز القطبية الأحادية عام 1991.وبحسب صف واسع من المفكرين السياسيين في روسيا، فإن ميخائيل جورباتشوف هو الشخص الذي تقع عليه المسؤولية الرئيسية في الفشل التاريخي، أي الفشل في الحيلولة دون انهيار الامبراطورية السوفيتية، ثم تفكك الاتحاد السوفيتي نفسه. فتحطيم موقع الإمبراطورية السوفيتية، الجيوستراتيجي، وضرب هيمنة موسكو على أوروبا الشرقية هو ما قام به جورباتشوف عمليًّا وبالتحديد. وهذه عند الرئيس الحالي فلاديمير بوتين هي الخطيئة التي لا تُغتفر.ورغم انتمائه الأيديولوجي المعروف، كان ميخائيل جورباتشوف معجبًا بالنموذج الأوروبي، فالموقف الداخلي له كان في جزء مهم منه، يعتقد بإمكانية تحويل الإمبراطورية إلى “الاتحاد السوفيتي الليبرالي”، المنتقل إلى “الاشتراكية الديمقراطية” ليلاقي “الاشتراكية الديمقراطية الأوروبية”، وهو ما لم يجد من يحمله كمشروع، وسريعًا ما تحوَّل المشروع نفسه إلى حالة كاريكاتورية.على كل حال، لقد تكاثرت التفسيرات للانهيار الذي تم للإمبراطورية السوفيتية، تلك الإمبراطورية التي كانت تمتلك ثلاثين ألف رأس نووي، فتفككت دون ضجيج كبير كما كان متوقعًا، ودون مظاهرات أو احتجاجات كبرى تناسب الحدث من عموم شعوب الاتحاد السوفيتي. فكيف نفذ ذلك...؟فهل كان الانهيار بفعل “مؤامرة خارجية”، حبكها الغرب وواشنطن خلال فترات طويلة لتحطيم الاتحاد السوفيتي وحلف (وارسو). أم “ناتجًا من مجموعة أخطاء في التطبيق، منها غياب الديموقراطية في الشارع وعن الناس”، إضافة للفساد بعينه، وتناقض قوى الإنتاج مع علاقات الإنتاج؟ وهل كانت الأمور مسألة حتمية في ظل التشدد مع الناس والمواطنين وقمع أي رأي آخر...إلخ؟أم كان الانهيار تعبيرًا واحتجاجًا صارخًا على سياسات الرئيس الأسبق ليونيد بريجنيف الذي أسكت الداخل بالقمع مع تحقيقه نجاحات ملموسة في السياسة الخارجية في ظل الحرب الباردة استكمالًا لما بدأ فيه الرئيس الذي سبقه (نيكيتا خروتشوف)، خصوصًا عندما تخلى عن سياسة سوفيتية مُعلنة تقوم على ربط تفكيك الصواريخ السوفيتية، المتوسطة والقصيرة المدى (س س) المصوبة للعواصم الأوروبية مقابل واشنطن عن برنامج حرب النجوم. ولكن بقيت الأمور تراوح مكانها. وثمة من يعتقد بأن ليونيد بريجنيف نفسه، ومنذ منتصف السبعينيات، كانت تبددت عنده التقديرات المستوردة من القالب الأيديولوجي هو على رأسه، لكنه كان مهمومًا بكيفية إنضاج بدائل تتفادى هدم كل شيء، ولا تغض الطرف عن حدَّة الصراع الدولي، كما لو أن الاصلاح المرجو داخل الاتحاد السوفيتي يحصل على جزيرة نائية بنفسها عن بقية العالم.أسئلة، وأسئلة مقابلة، ما زالت الإجابات عليها ناقصة وغير كافية، ولم تكتمل بالرغم من انقضاء ثلاثة عقود على انهيار الاتحاد السوفيتي. علي بدوانكاتب فلسطينيعضو اتحاد الكتاب العربدمشق ـ اليرموك[email protected]