“.. فتطوير السياسة الجنائية هي الوسيلة المنطقية والعقلية لمواجهة تلك الأشكال الحديثة والمتطورة من الجرائم عموما، وجرائم الإرهاب خصوصا، عبر مجموعة من الوسائل والتدابير الجزائية التي تواجه بها الدول الجرائم..”

الكثير من القوانين الراهنة هي وليدة التحوُّلات والمتغيرات السياسية الدولية المعاصرة، خصوصا تلك التي تدخل في صلب حياة وحقوق وحريات الأفراد والمجتمعات البشرية بشكل مباشر كالقانون الدستوري والمدني والجنائي على سبيل المثال. والقوانين المتعلقة بالأمن السياسي كقانون الإرهاب وتسليم المجرمين. يضاف إلى ذلك الارتباط التاريخي أصلا بين السياسة والقانون.
لذا نجد أن “علم السياسة الفرنسي تطور أولًا في كلية الحقوق، فهناك دائرة القانون العام والعلوم السياسية، وفي لحظة ما من تطور العلوم السياسية أرادت تلك العلوم أن تستقل عن القانون، وبالتالي نشأت علاقات قوة متجاذبة بين دائرة أو كلية الحقوق وبين كلية العلوم السياسية”(1 ).
على ضوء ذلك تتأكد لنا تلك العلاقة الأصيلة والمتداخلة والصريحة بين السياسة بمختلف توجهاتها والقانون بمختلف تخصصاته، وكذلك التأثير المباشر بينهما، خصوصا في جانب تلك المرئيات والسياسات القانونية والتشريعية الجنائية الهادفة إلى احتواء بعض الظواهر الإجرامية والحدِّ من مخاطر استشراء الجريمة على أمن واستقرار الدولة والمجتمع والفرد.
فالجريمة “ظاهرة اجتماعية مرتبطة بالإنسان وعرفت منذ القدم، وتطورت وتعقدت أشكالها وتنوعت مناهجها ووسائلها مع تقدم المجتمعات الإنسانية، خصوصا مع الثورة التكنولوجية والتقنية في العصر الحاضر، حيث أخذت ظاهرة الإجرام بُعدا دوليا وأصبحت عابرة للقارات والدول، الأمر الذي يستدعي إعادة النظر في الوسائل التقليدية لآليات العدالة الجنائية( 2) وفي القواعد المنظمة للتجريم والعقاب باعتبارها الأدوات المهمة للسياسة الجنائية”(3 )
ما يؤكد وبدرجة كبيرة ذلك التأثير والتداخل بين السياسة بمختلف توجهاتها وفروعها والقانون بمختلف تخصصاته، وبشكل أكثر مباشرة وصراحة في ظل اتساع كم وكيف تلك المتغيرات الدولية والتحوُّلات العابرة للحدود الوطنية، والتي أصبحت تسيطر وتتحكم بالكثير من مجريات الحياة العادية والمعيشة اليومية للمواطنين بعدما أصبح البشر في مختلف أرجاء العالم مرتبطين مع بعضهم بعضا عبر شبكة من الأسلاك النحاسية والألياف البصرية.
الأمر الذي يدفع بدوره إلى أهمية إيجاد سياسات وتشريعات جنائية تواكب تلك الآثار والتحوُّلات المتسارعة التي خلفتها المتغيرات السياسية العابرة للحدود الوطنية على الدولة والمجتمع والأفراد حيال العديد من الجرائم، خصوصا تلك العابرة للحدود الوطنية مثل جرائم الإرهاب، وكذلك أهمية تطوير تلك السياسات والتشريعات الجنائية القائمة أصلا لتحقيق تلك الأهداف.
فتطوير السياسة الجنائية هي الوسيلة المنطقية والعقلية لمواجهة تلك الأشكال الحديثة والمتطورة من الجرائم عموما، وجرائم الإرهاب خصوصا، عبر مجموعة من الوسائل والتدابير الجزائية التي تواجه بها الدول الجرائم، سواء أكانت تلك الوسائل وسائل وقائية تسعى إلى مكافحة وقوع الجريمة ومكافحتها أو وسائل تتعلق بالجريمة والمجرم بعد وقوع الجريمة وارتكابها.
لذا كان من الضروري وهي دعوة لمختلف الجهات المعنية بضرورة التركيز وتسليط الضوء بشكل أكبر على تلك الدائرة التي أصبحت تتوسع كل يوم من حيث كثافة وسرعة تطور الجرائم الإرهابية؛ بسبب طبيعة النظام العالمي الراهن، وكذلك طبيعة السياسة والعلاقات الدولية في القرن الحادي والعشرين من جهة، في وقت أصبحت فيه تلك الدائرة نفسها تضيق على الدول من حيث قدرتها على مواكبة تلك التطورات وتسارع المعرفة والتكنولوجيا المتعلقة بعولمة الجريمة الإرهابية من حيث احتواء آثارها وانعكاساتها على منظومة السياسات والتشريعات الجنائية من جهة أخرى.

مراجع
1 ـ - د. جاك كوماي، ملتقى قانوني، معهد الحقوق -جامعة بيرزيت/ لبنان، بدعم مؤسسة كونراد أديناور الألمانية، منشور بتاريخ 2/كانون الثاني/2010م. تاريخ الدخول 3 / 9 / 2019م على الرابط:
على الرابط: -http://lawcenter.birzeit.edu/lawcenter/ar/legal_encounters/306
2 ـ - أ.د محمد الأمين البشري ود. عبد الله علي سعيد، العدالة الجنائية -مفهومها نظمها وتطبيقاتها -مطبوعات وزارة الداخلية/القيادة العامة لشرطة دبي، دبي/الإمارات العربية المتحدة، رقم (168) د.ط/ 2013م
3 ـ - د. محمد بوزوبع، السياسة الجنائية بالمغرب واقع وآفاق، منشورات جمعية نشر المعلومة القانونية والقضائية، م (2)، ع (4)، ط 1/2005




محمد بن سعيد الفطيسي
باحث في الشؤون السياسية والعلاقات الدولية
رئيس تحرير مجلة السياسي – المعهد العربي للبحوث والدراسات الاستراتيجية
[email protected]
MSHD999 @