حقيقة، إن مجموعات «اليسار الصهيوني» أصبحت، ومنذ وقتٍ ليس بالقصير، كتلًا هلامية، وحضورها محدود في قاع المجتمع الصهيوني على أرض فلسطين، حتى لو سعت بكل إمكاناتها، في التنافس مع باقي أحزاب وقوى الخريطة السياسية «الإسرائيلية» للفوز بالحضور في مجتمع التطرف في «إسرائيل&».“اليسار الصهيوني”، تلك الجملة مطاطة، وإشكالية تمامًا، وقد تحوَّلت إلى كلامٍ بكلام، ومن يعش في الأرض الفلسطينية المحتلة يحتك، وسيحتك، بكل الصهاينة في مجتمعهم، شاء أم أبى، يعمل معهم (أقصد مجموعات اليسار الصهيوني) بشكلٍ مشترك؟ ويُقدّر أين ينتهي موقفه منهم، ومن كل الكيان “الإسرائيلي” برمته..؟في السنوات الأولى للاحتلال الثاني لما تبقى من أرض فلسطين عام 1967، اشتغلت الفكرة العربية... و”للأسف”، بالماركسية العربية، واشتقاقاتها في قراءة ظاهرة الاحتلال. وكأنها القصة المباشرة والأساسية، فتنطح البعض ليقول:المهم الاشتراكية وليس الصراع على الأرض. وهذا جعل التواصل مع “اليسار الصهيوني”، مع الذي لم ندرك أنه صهيوني كأنه أمر عادي، بل حالة ممجوجة، في مجتمعٍ بات طوفان قوى اليمين يبتلعه، حيث مجموعات مجانين التطرف تملأ كيان دولة الاحتلال الإسرائيلي!وجاءت المدرسة السوفيتية في حينها (مدرسة أندريه جروميكو)، وضغطت للاعتراف العربي والفلسطيني بالكيان الصهيوني بلا مواربة، حتى لو كان الأمر على حساب الحق التاريخي للعرب، ولمواطني فلسطين، وهم أصحاب الوطن الأصليين، اعتقادًا منها (مدرسة أندريه جروميكو)، بأن “الحركة الصهيونية” ستشيد كيان دولة سوفيتية في المنطقة العربية، لتكون جزءا من منظومة دول الاتحاد السوفيتي السابق.إن انفتاح الحزب الشيوعي “الإسرائيلي” (حزب راكاح) بعد انشقاقه عام 1966، برئاسة الصهيوني (شموئيل ميكونيس)، وبراءة اختراع قدمت له، وبمعرفة كل الأكاديميين في كيان دولة الاحتلال الإسرائيلي، دفع الأمور للسطح، كي تشاهد بوضوحٍ صارخ. وطبعًا “رأس المال على رأس المال”، وحتى اللصوص على اللصوص وقد بانوا في سجن الرملة في فلسطين المحتلة.وفي الوجه الآخر من الصورة، وبعد العام 1973 ولاحقًا حتى 1977 وفي جريدة الفجر المقدسية، كان الوجود العربي الفلسطيني، الراسخ، لكل من: إميل توما، وإميل حبيبي، وتوفيق زيّاد، توفيق طوبي، ثم سميح القاسم...إلخ. ولم تكن ثقافة ووعي أبناء فلسطين في حينها، ووعيي تلك المرحلة، أن يقتنع الفلسطينيون بأن يدخل توفيق زيّاد عضوية الكنيست “الإسرائيلي”، يقارع من داخلها عتاة المجتمع الصهيوني، ويقف لهم بمرصاد الدفاع عن الحقوق الوطنية الفلسطينية.حقيقة، إن مجموعات “اليسار الصهيوني” أصبحت، ومنذ وقتٍ ليس بالقصير، كتلًا هلامية، وحضورها محدود في قاع المجتمع الصهيوني على أرض فلسطين، حتى لو سعت بكل إمكاناتها، في التنافس مع باقي أحزاب وقوى الخريطة السياسية “الإسرائيلية” للفوز بالحضور في مجتمع التطرف في “إسرائيل”. حيث ينهل المتطرفون دروس “الفاشية” و”النازية”، والتواطؤ مع مجموعات (اللوبي) “الإسرائيلي” الصهيوني، التي تحظى بحضور في المجتمع اليهودي في الولايات المتحدة الأميركية، خصوصًا في مدينة نيويورك.إن حزب العمل “الإسرائيلي” (حزب الماباي) بقيادة ديفيد بن جوريون، وجيل رعيل المراحل الأولى من قيام “إسرائيل” (بن جوريون+ موشيه شاريت+ إسحق رابين+ شيمون بيريز+ مناحيم بيجن+ إسحق شامير+ إيجال آلون+ جولدا مائير...)، والذين خاضوا حروب “إسرائيل”، وحروب إقامتها بالدم والحديد والنار، وقام ببنائها بالفعل، يجدون أنفسهم الآن أمام “حزب مريض طريح الفراش تمامًا”. ويعيش فترات “أفوله” البيولوجي، وليس عنده ما يقوله، في ظل طفرات وتشكيلات حزبية جديدة، ومُستجدة في “إسرائيل”، وبعيدة عن تجربة (عتاة الصهاينة) وأجيالهم الجديدة، التي تربطها بالولايات المتحدة الأميركية علاقات “سوبر” وفق الرئيس الأميركي (جو بايدن) الذي زار المنطقة مؤخرًا في حزيران ـ يونيو2022. متوددًا من “إسرائيل”. وهو يُردد، وكما يقولون “لا تتلحفوا بالعلم الأميركي”. ومن “يتلحف به يخسر”. إذا لم تلقَ “إسرائيل” نصيبها لتكون جزءًا من النظام الإقليمي بالمنطقة.وهنا، لا تتعلق المسألة عند الحديث عن تعدد الطيف السياسي “الإسرائيلي”، داخل مجتمع الحركة الصهيونية في فلسطين المحتلة، وانقسامه يسارًا ويمينًا باختلاف النماذج الاقتصادية والانحيازات السياسية فحسب، بل إن المسألة تتعلق باختلاف الأدوات والخطاب وطبيعة النموذج المُتخيل. ضمن آلية تجاذب داخلية. وفي ظل هيمنة تصور كيان “الاحتلال الإسرائيلي”، وتبادل سلطاته يمينًا ويسارًا تحت مظلة مشروع استعماري عنصري، تمخَّض عن بروز “الصهيونية الليبرالية” كأحد مآلات “اليسار الصهيوني” المتوقعة خلال الفترات القادمة.وبالنتيجة، إن مجموعات وأكوام أحزاب ما يُسمَّى بـ”اليسار الصهيوني”، وفي تلك الفترات، وما زالت، لا تريد مكانًا للقومية العربية في الداخل الفلسطيني. لكن أبناء فلسطين في الداخل، في الأرض المحتلة، وخصوصًا بعد العام 1967، وجدوا أنفسهم يقاومون في لُجة وليل الاحتلال. وكانوا، بغالبيتهم، ممن دخل الكفاح المسلح فورًا ودون تردد. وهذا هو المستوى الوطني الصحيح. بالرغم من سطوة الاحتلال، وانتشار يد القمع الفاشي الصهيوني بعد احتلال العام 1967. علي بدوانكاتب فلسطينيعضو اتحاد الكتاب العربدمشق ـ اليرموك[email protected]