لماذا نقلد الآخر في القشور والشكل، ونترك اللب والجوهر؟ نأخذ ما يضرنا ونترك ما يفيدنا وينفعنا، أين الخلل والمشكل؟ ومَن يتحمل المسؤولية؟ ولماذا تشهد ساحات وسائل التواصل المجتمعي هذا الصراع الفكري الديني والشحن والتضخيم والتحزب.. لماذا يتأثر الكثيرون من شبابنا بثقافة الآخر وقِيَمه ونُظمه ومناهجه وأساليب حياته، فينبهرون بها ويعظِّمونها إعجابا وافتتانا وإشادة وإطراء لها؟ لماذا يفضِّل قِطاع واسع من الآباء والأُمهات بأن يحصل أبناؤهم على فرص دراسية في جامعات أجنبية وبالأخص في البلدان الغربية، بل واتسعت الرغبة والتطلع أخيرا بأن يمنحهم الحظ والتفوق مجالا للحصول على عمل وإقامة في تلك الدول؟ لماذا نجري المقارنات تلو المقارنات بيننا وبين هذا الآخر في كل شيء، الحضارة والتراث والتاريخ والصناعات والنُّظم وجودة الخدمات والرُّقي في المعاملة وغزارة الإنتاج العلمي والثقافي والفنون واللغة وجمال العمارة والتقدم... فتأتي النتائج أو أننا نكيفها ليفوز هذا الآخر بالسبق والأفضلية والأعلى شأنا؟ لماذا لا يفضل البعض منا إلَّا الزي الغربي في أسفارهم ومهامهم الخاصة، بل ويتمنون أن يعفيهم القانون من اللباس المحلِّي فيتحررون منه لصالح الآخر، ولو حدث هذا فلا أشك بأن شريحة كبيرة من شبابنا سوف ينتصرون للقميص والبنطال والكرافت على حساب الدشداشة والمصر أو الشماغ؟ لماذا لا يقرأ البعض ولا يتحدث إلا بلغة أجنبية ولكتَّاب ومثقفين من خارج ثقافتنا العربية ـ الإسلامية، أو أنهم يفضلون الأولى بشكل كبير ويعدونها مدعاة للفخر والتباهي ومحفزا على التقدم وتحقيق النجاح وبناء المهارات...؟ لماذا يفاخرون ويتباهون ويتهافتون على شراء العلامات الأجنبية غالية الثمن، ويفضلون الأكلات السريعة ومشاريب القهوة وغيرها من محلات الستاربكس والكوستا والكنتاكي والماكدونالدز... رغم الأضرار الصحية الثابتة من الإفراط في تناولها؟ لماذا تمتلئ الساحات والميادين والقاعات الكبرى وصالات السينما ودور الأوبرا... بالشباب الراغبين في المشاركة وحضور ومتابعة ومشاهدة فيلم وعرض ومطرب وفرقة أجنبية، ما يؤدي إلى نفاد تذاكر البيع عن بكرة أبيها أحيانا؟ لماذا هذه الظواهر والبِدع التي لا حصر لها في المتابعة والشغف والتشبُّه بالغرب في الملبس والمأكل والمشرب، وفي قص الشعر والسلوكيات والحركة والممارسة، واستخدام الوسائل والأدوات المرتبطة بآخر الصيحات والموديلات والبرامج والأجهزة... التي تظهر في الأسواق تباعا وبغرض التقليد والتباهي فقط، وليس لشيء آخر؟ لماذا لا نقلد الغرب والبلدان المتقدمة في نجاحات صناعاتها وأسباب تقدمها، في مراكز أبحاثها وتجاربها وإنتاجها العلمي الغزير، في مجالات الطب والزراعة والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي وبراءة الاختراع والابتكار واحتضان المواهب والاستثمار فيها، في تطور تعليمها وجامعاتها؟ في برلماناتها القوية وقوانينها ونظمها السياسية المحكمة والمتماسكة وقضائها المستقل، في قدرتها على مراقبة ومساءلة ومحاسبة الفساد وتجفيف منابع الفساد، في نمو اقتصادها وتنويع وتعدد موارده وعظمة وتوسع أسواقها...؟ لماذا نقلد الآخر في القشور والشكل، ونترك اللب والجوهر؟ نأخذ ما يضرنا ونترك ما يفيدنا وينفعنا، أين الخلل والمشكل؟ ومَن يتحمل المسؤولية؟ ولماذا تشهد ساحات وسائل التواصل المجتمعي هذا الصراع الفكري الديني والشحن والتضخيم والتحزب وتصنيف الناس بين متدين وعلماني ـ مسلم وملحد ـ وطني وخائن ـ صادق ومدعي... ومحاولة إدخال المجتمعات العربية ـ الإسلامية في جدل عقيم لا طائل منه سوى تكريس الجهل والتخلف والمزيد من التمزق والتشرذم والانقسام والأحقاد، والابتعاد عن الأهداف الجوهرية والغايات العظيمة المتمثلة في توحيد كلمة الأمة وإعادة دورها الحضاري وقوتها وتمكينها من منافسة الأمم المتقدمة وتحقيق نهضتها وريادتها والتعريف بجوهر دينها الإسلامي العظيم في سماحته ورحمته وعدله وسُمو رسالته وشموليتها، وقدرتها على بناء الإنسان وصيانة مصالحه...؟ ولماذا عجز الخطاب الديني الإسلامي عن تحقيق أهدافه، وتعميق أثره وتعزيز دوره في التعريف بعظمة الإسلام وشحذ همم الشباب في بناء مجتمعاتهم وأحداث التحوُّلات الجوهرية المساهمة في التقدم والمنافسة ورفعة شأن المسلمين وردم الهوة بين الثقافتين العربية ـ الإسلامية والغربية والتي تتسع باستمرار لصالح الأخيرة، كما أشار إلى ذلك المقال؟ وإقناع الشباب وتعظيم إيمانهم وقيادتهم بفكر منفتح متسامح ليتبوأوا دورهم في القيادة والنجاح وضمان المستقبل المزدهر بأدوات ومفاتيح ووسائل العصر الحديث ومناهج تعليمه وأساليبه المتطورة التي لا غنى عنها لضمان التقدم واللحاق بالركب الحضاري؟، لماذا هذا التشرذم والتجاذب والتقاطع والتنافر بين عشرات ـ بل مئات ـ الخطابات والمرجعيات والشخصيات الدينية؟ وهل يمكن أن نلقي باللوم على ملايين الشباب والأُسر في البلدان العربية ـ الإسلامية، الذين أنهكتهم مشقَّة الحياة وغلاء المعيشة وعبث الساسة وفساد المفسدين وصراعات الأحزاب وحروب الحكومات والعصبيات الدينية ـ المذهبية ـ العرقية، وتعاظم نِسب هجرة الأبناء والجهل والفقر وسوء الخدمات... على هذا الواقع المؤلم والوضع الحزين الذي نعيشه؟ والمرجعيات الدينية وعلماؤها هل تقوم بأية تضحيات وجهود ومبادرات ملموسة لتوحيد شملها وتجديد خطابها وإصلاح أوضاعها بما يتناسب مع تحدِّيات وتحوُّلات المرحلة سوى إلقاء اللوم على سلوك الشباب وانحرافهم وتأثرهم الضار وتربية الأُسر؟ فيما تأثير هذه المرجعيات والعلماء شِبه معدوم على سياسات وبرامج وقرارات الأنظمة السياسية والحكام التي قادت إلى هذه الحالة الكارثية التي بلغتها البلدان العربية ـ الإسلامية؟ لا شك أن الخطاب الديني في عالمنا العربي ـ الإسلامي يعاني من إشكالات عميقة وإخفاقات كبيرة وقصور جلي، يمكن أن نبرز أهمها، في الآتي:ـ انفصال الخطاب الديني في جوهره ومحتواه ومنهجه عن مجرى التحوُّلات العلمية والسياسية والتقنية والاقتصادية التي يشهدها العالم، وتجاهله للتشابكات والمعاملات والمصالح المالية والأسواق والمبادئ والأنظمة التي أصبحت تحكمها وتتحكم فيها مؤسسات وقوانين دولية... والتي انغمس الشباب في أتونها دراسة وعملا واهتماما منقطع النظير، في عصر أصبح فيه “التقوقع في جيوب فكرية أو عرقية أو إثنية أو حتى ثقافة أحادية قد أضحى أمرا مستحيلا وخصوصا في عالمنا المعاصر....ـ تجاهل الخطاب الديني لحالة التخلف والجهل والفقر واستشراء الفساد التي تعيشها المجتمعات العربية ـ الإسلامية، والقطيعة في المقابل، مع التحوُّلات والطفرات التقدمية ـ الحداثية الهائلة، التي يعيشها العالم، والتغافل عن حقيقة أن عالمنا العربي ـ الإسلامي بات يعتمد على الأمم والمصانع والمختبرات والأراضي الزراعية الأخرى في استهلاكه الطبيعي من المأكل والملبس والمشرب، والسلع والوسائل والأجهزة والأدوات... التي دخلت في كل مؤسسة وبيت وركن وجزء من حياتنا.ـ التشتت وغياب التكامل والانسجام في محتوى الخطاب الديني واختلاف مضمون الرؤية ومفردات الرسالة وغاياتها على مستوى البلدان الإسلامية ومرجعيات المذاهب، بل وحتى على مستوى العلماء في المرجعية والدولة الواحدة.ـ إجراء تعديلات ومراجعات وتحوُّلات في مضامين الفتاوى والآراء بشكل عميق، ليس اقتضاء لمصلحة الإسلام والأُمة، ولا انسجاما وتجاوبا مع مقتضيات العصر وتطوراته، ولا نتيجة طبيعية للمراجعة والاجتهاد والإصلاح.. ولكن تنفيذا وتماشيا مع مطالب ورغبات وتوجُّهات السلطة السياسية، ورضوخا لأوامرها واستجابة للتغيرات التي أحدثتها في سياساتها.ـ الازدواجية والتناقض والشرخ الواسع بين القول والعمل الذي قد لا يدركه ولا يتنبه له الخطاب الديني، ولكن له تأثيراته العميقة على جيل الشباب. ومثالا على ذلك، أن شريحة واسعة من المؤثرين والراسمين لمضمون الخطاب الديني، يستخدمون التقنيات والبرامج الغربية، ويستهلكون أدواتها ووسائلها، وفي المقابل يكفِّرون دولها وشعوبها وأنظمتها السياسية، ويضمنون خطابهم لغة حادَّة وقاسية، وكلمات معبأة بالكراهية والتعصب والإقصاء والاتهام بالعنصرية... والأخذ بالاستثناءات في الحكم على الآخر للتأكيد على الأجندات وغرس الأيديولوجيات الموجهة، وتجاهل الحقائق والأسانيد والأدلة في عمومها وشموليتها، وفي المقابل يرسلون أبناءهم إلى أرقى الجامعات هناك للدراسة وأخذ علوم العصر، وأمنية الكثير من المسلمين في أن يجد أولادهم مقاعد في جامعات الغرب، وعندما يسافرون إلى تلك البلدان من أجل الدراسة والتدريب أو العمل أو العلاج أو السياحة والاستجمام والمهام الرسمية... يجدون فيها نُظما سياسية قوية، وقوانين متجذرة ومطبقة، ومسؤولين ليسوا فوق القانون والمحاسبة والمساءلة مهما كان نفوذهم وقوتهم الاجتماعية والمالية، وخدمات تعليمية وصحية تتميز بالجودة والاهتمام بالإنسان، وعربا ومسلمين يعملون بكل حرية ويسر، أصبحت لهم مشاريعهم وأملاكهم وحقوقهم بدون مضايقة وتحيز وتمييز، بل إن بعضهم وصل إلى مناصب سياسية وأكاديمية وعلمية رفيعة، هذا في العموم، أما الاستثناء فلا ينبغي أن نضعها كمؤشر ومبرر وحجة نقيم عليها حكما، ويمارسون هناك حرية تمنح الإنسان مساحة واسعة للتعبير عن رؤيته وأفكاره وملاحظاته، وانتقاد الحكومة ومسؤوليها، دون أن يتعرضوا للمحاسبة والمحاكمة والسجن، فالقوانين تحميهم، فيمعنون التفكير ويجيلون البصر ويجرون المقارنات، فتأتي النتائج ـ للأسف الشديد ـ في غير صالح الخطاب الديني ومحاوره ومضامينه وتوجُّهاته.إن تقييم ونقد ومراجعة وإصلاح وتطوير الخطاب الديني وتوحيد مضامينه في القضايا الجوهرية، والاعتراف بالأخطاء، وردم الخلافات وأسباب النزاع والانقسام بين المذاهب، والانفتاح على الآخر وتعميق الحوار وتعزيز دوافع ومحفزات الفهم والاستيعاب، مصحوبا في الوقت ذاته بإحداث نهضة عربية ـ إسلامية شاملة، تقوم أساساتها وغاياتها على الوحدة والاعتماد على الذات واللحاق بالركب الحضاري، واستيعاب طموحات الشباب وتعزيز دورهم في التنمية والبناء والابتكار، والتركيز على العلم والمعرفة والنمو الاقتصادي وتنويع الموارد وتحقيق الازدهار والرخاء والمنافسة في براءات الاختراع ومحاربة كل أشكال الفساد.... والنجاح في هذه الأهداف والمقاصد، هي الأسس والدعامات التي سوف تعزز من مكانة ودور الخطاب الديني وتعظِّم من أثره الإيجابي في نفوس الناشئة، وتجعل من المسلمين أُمَّة تحظى بالاحترام وتفرض هيبتها على الآخرين. سعود بن علي الحارثي[email protected]